جاء في إنجيل القديس متى أنّ الربّ يسوع في عظته على الجبل طلب من تلاميذه والجموع أن يصلّوا، فقال لهم: “ومتى صلّيتم، لا تكونوا كالمرائين… وعندما تصلّون، لا تُكثروا الكلام عبثًا كالوثنيّين… أما أنتم فصلّوا هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليُقَدَّس (ليتقدَّس) اسمُك، ليأتِ ملكوتُك، لتكُن مشيئتُك كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا. واغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر أيضًا للمذنبين إلينا. ولا تُدخلنا في التجربة، لكن نَجِّنا من الشرير…” (مت6: 5-15). لقد حذّر الربّ يسوع في كلامه هذا كلّ سامعيه من الأسلوب في الصلاة: حذّر من صلاة المرائين ومن صلاة الوثنيّين. لكنّه لم يكتفِ بالتحذير من الخطأ، بل قدّم لنا أُسلوبًا صحيحًا ونموذجًا رائعًا في الصلاة وجَبَ على كلِّ مؤمنٍ أن يتَّبعه.
إنّ الصلاة الربيّة معروفة بصلاة الأبانا: ندعوها الصلاة الربيّة، لأنّ الربّ نفسه علّمنا إيّاها. ولهذا، تشدّد الكنيسة عليها في صلوات الساعة اليوميّة، وفي خدمة الأسرار المقدَّسة. إنَّها جزءٌ من العظة على الجبل التي أعطتِ البشريّةَ كلَّ تعليم العهد الجديد.
ولأنّ هذه الصلاة هي النموذج والمثال، سأغوص في أقسامها مستخرجًا ما يمكنني استخراجه، مبيِّنًا ما سكب الله فيها من جمالٍ وبركةٍ وخلاص، جامعًا القسم الأوّل، قسم التمجيد، مع القسم الثاني، قسم الطلبات، بهدف إيصال المعنى الحقيقي لهذه الصلاة اليوميّة التي علّمنا الرب.
في العهد القديم كان المؤمنون يخاطبون الله باعتباره “السيّد” (راجع تك 18: 27، 30-32)، و”ربّ الجنود” (راجع 1صم1: 11) و”الربّ إله السماوات” (راجع نح1: 5)… أما التعبير “أبانا” فلم يستخدمه أحدٌ من الأنبياء والمرسلين، إلى الزمن الذي جاء فيه المسيحُ وأعلن أنّ الساكنَ في السماوات والسيّدَ وربَّ الجنود ووإلهَ السماوات هو الأبُ الحنون الذي يحبّ أبناءه ويعتني بهم.
في عظته على الجبل، أشار الربّ يسوع إلى إسم “الآب” 17 مرّة داعيًا إيّانا للصلاة إلى الله باعتباره الآب. فلفظة “أبانا” تدلّ على الأبوّة والمحبّة والصلاح والعناية والمرافقة والإهتمام. أمّا عبارة “الذي في السماوات” فإنهّا تدلّ على القوّة والإمكانيّة والرفعة والسلطان والعظمة: إنّه أبٌ لا نظير لمحبّته، وإلهٌ لا حدود لقوّته وإمكانياته.
لقد دعا الربّ يسوع سامعيه إلى أن يرفعوا صلواتهم، لا إلى قديسٍ أو ملاك، ولا إلى إلهٍ جبّارٍ مستبدٍّ وأنانيّ، بل إلى الله الآب: الأب والحنون والمحبّ الذي يعطي البركة والخير والسند لجميع أبنائه.
إنَّ العبارة الأولى للصلاة الربيّة هي استدعاءُ الله من السماوات: “أبانا الذي في السماوات”.أولاً: الله هو “أبانا”: بهذه الافتتاحيّة نسمي الله أبًا، وهكذا نعبّر إيمانيًّا أنّه لدينا أبٌ ولسنا أيتامًا. والله أبونا سيُلبّي كلّ مطالِب الصلاة بإيمانٍ لا يتزعزع، لأنه أبٌ لا يحرم أبناءَهُ من خيراته عندما يطلبونها بإيمان: “أيُّ إنسانٍ منكم يسأله ابنه خبزًا فيعطيه حجرًا؟ أو يسأله سمكةً فيُعطيه حيّة؟ فإذا كنتم، أنتم الأشرار، تعرفون أن تُعطوا أولادكم عطايا صالحة، فكم بالأحرى أبوكم الذي في السماوات يمنح الصالحات للذين يسألونه” (مت7: 9-11). نُسمِّي الله أبًا معترفين بالتبني الإلهي، أي مستحقين أن نكون أبناءً لله بالنعمة.
أنْ نكون أبناءً لله، هذا يعني أنّ كلَّ خيرات الله التي سنحصل عليها من خلال يسوع المسيح، إبن الله الوحيد بالولادة، ستربطنا بعلاقةٍ أخويّةٍ معه.
أنْ نكون أبناءً لله، هذا يعني أيضًا أنّنا سننال موهبةَ الروح القدس، روحِ الله أبينا، ونسمع صوتَه يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت”.
أنْ نكون أبناءً لله، هذا يعني أنّنا في شركةٍ دائمةٍ مع الثالوث الأقدس. بالحقيقة عندما نسمي الله أبًا، فهذا يعني أنّنا في حالة انتماءٍ وحياة، مع مصدرِ الحياة وصانعِها ومُعطيها.
لقد دعانا الربّ يسوع في هذه الصلاة إلى أن نقول أبانا، أي بصيغة الجمع، ليَدُلَّ على أنّنا والآخرين إخوةٌ، تجمعنا قرابةٌ روحيةٌ نتساوى بها جميعًا كبشرٍ أمام الله الآب.ثانيًا: الله في السماوات: أمّا العبارة الثانية “في السماوات”، فهي تدّل على أنّ أبانا موجودٌ في السماوات. وباعترافنا أنّ الله يسكن في السماوات، نُبعِدُ أذهاننا عن الأرض والأرضيّات ونحدِّق في السماوات والسماويّات، لنرى موطنَنا الحقيقيّ حيث بيتنا الأبوي موجود فيه. نحن غرباء على هذه الأرض ونزلاء. هدفُنا هو السماء، تلك الحياة المتألِّهة والمقدَّسة والمعتَقَة من الخطيئة والأهواء والموت.
إنَّ عبارة “أبانا الذي في السماوات” ترفعُ أذهانَنا إلى أبينا وبها نهتدي إلى وطننا الحقيقي. إنّها توّجهُ ذهنَنا وترشدُه إلى وطننا وتجعلُنا نرغَب بالوطنِ السماوي حيث نرى مجدَ الآب السماوي ومجدَ ابنه الوحيد وجميعَ الأبرار والصديقين.
2- لتكُن مشيئتُك / ولا تُدخلنا في التجربة لكن نَجِّنا من الشريرإنّ تَحقِيقَ مشِيئة الله الآب مرتبطٌ إرتباطًا وثيقًا بعَدَم الدخُول فِي التجربة. فالربُّ يسوع نفسه، في ليلة آلامه في بستان الزيتون، حَقَّقَ مشيئةَ الله بعدم وُقُوعه فِي التجرِبَة، وتُشير إلى ذلك الأناجيل الإزائيّة الثلاثة: “وابتعد عنْهم قَليلاً فَأَكَبَّ على وجهه يُصلِّي قائلاً: يَا أَبي، إِنْ أَمْكَن، فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن، لا كما أُريد أنا، بل كما أنت تريد… ثُمَّ ابتعد ثانيةً وصَلَّى قَائِلاً: يَا أَبي، إن لم يكن ممكنًا أن تعبر عني هذه الكأس دون أن أشربها، فَلْتَكُنْ مَشِيْئَتُكَ… فتركهم وابتعد عنهم ليُصلّي مرّةً ثالثة، مردِّدًا الكلام نفسه” (مت26: 39، 42، 44)، “أبّا، أيها الآب، كلّ شيءٍ ممكنٌ لديك، فأبعد عني هذه الكأس، ولكن ليس ما أريد أنا، بل ما أنت تريد… تمّ ابتعد ثانيةً وصلّى مردّدًا الكلام نفسه” (مر14: 36، 39)، “أبت، أن شئت، أبعد عني هذه الكأس، ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك” (لو22: 42).
تعرّض يسوع في هذه الليلة لأنواعٍ كثيرةٍ من التجارب لكي يكُفَّ عن إتمام تدبير الله الخلاصيّ. فإبليس نفسه الذي جربَّه في البرية بكلّ تجاربه، ولم يقدر عليه، إبتعد عنه إلى حين (لو4: 13). لقد كان بستانُ الزيتون هو البرية التي عاد إبليس إليها لكي يُجرِّب يسوع ويثنيه عن إتمام مشيئة الله، ألا وهي الآلام والموت والقيامة، والتي منها يتمّ الخلاص للبشريّة جمعاء. إنتصر يسوع على التجربة ولم يقع بها محقِّقًا بذلك مشيئة الآب السماوي وتدبيره الخلاصيّ. لقد رأى آبَاءُ الكنيسة في هذه الطلبة سرَّ المعمُودِيَّة التي به يُكْفَرُ بالشيطان، بأعمالِه، بأفكارِهِ وبكلامِه. ونحن أيضًا بابتعادنا عن التجارب نُتَمِّم مشيئة الآب السماوي ونُتَمِّم أيضًا مواعيد عمادنا المذكورة.
3- ليأتِ ملكوتُك / واغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر أيضًا للمذنبين إليناإنَّ مجيءَ ملكوت السماواتِ مُرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بِمغفرةِ الخطايا والتوبة: “توبوا فقد اقترب ملكوتُ السماوات” (مت3: 2). على الجلجلة، صُلِبَ يسوع بين لصَّين. أحدُهما بدأ يُجدِّف عليه ويقول: ألست أنت المسيح؟ خلِّصْ نفسك وخلِّصنا. فأجاب الآخر وانتهره قائلاً: أما تخاف الله وأنت تحت هذا الحكم نفسه؟ فنحن بعدلٍ حُكِمَ علينا، لأنَّنا نلقى ما تستوجبه أعمالنا. أمّا هذا الرجل، فلم يفعل شيئًا سيّئًا. ثمّ قال ليسوع: أذكرني يا يسوع عندما تأتي في ملكوتك، أي إرحمني يا ربّ واغفر لي. فقال له يسوع: “الحقّ أقول لك: اليوم تكون معي في الفردوس”، أي في الملكوت (لو23: 39-43).
نلاحظ أنّه إمعانًا في السخرية من ملك اليهود، صلبوه بين لصَّين: واحدٌ عن يمينه والآخر عن يساره، فتمَّت به نبوءة النبيّ آشعيا: “بذَلَ للموت نفسه وأُحصِيَ مع الأثمة، وهو الذي شفع فيهم وحمل خطايا كثيرين” (أش53: 12). لقد حمل المسيحُ نفسُهُ اللصَّ من الصليب إلى الفردوس ليُظهِرَ أنّ التوبة ومغفرة الخطايا لن تتأخرا في عملهما، فحوَّل بذلك موتَ الخاطئ إلى شهادة. لم نعُدْ بعد اليوم نخجل من أنْ نأخذ هذا اللصَّ معلِّمًا لنا في التوبة والندامة وغفران الخطايا ودخول الملكوت. فالربُّ بذاته لم يخجلْ منه بل أدخله الفردوس والملكوت قبل الجميع. لقد اعترف هذا اللصُّ بالمسيح فندم وتاب على كلّ ما اقترفه من خطايا، وتجرّأ أن يطلب الغفرانَ والدخولَ إلى الملكوت مع أنَّه لصٌّ خاطئ، فوجد أنَّ أبوابَ الفردوسِ مفتوحةٌ أمامه.
حتى في آلامه التي جلبت الخلاص والملكوت للعالم كلِّه كان بين لصّين. واحدٌ رفض التوبة مُبقيًا ذاته في الشرّ، ناطقًا بكلماتِ التجديف، فخسر الملكوت. وآخَرٌ أخذ اتّجاهًا مُعاكسًا يستحقّ الطوبى، إذ آمن بيسوع وهو يذوقُ أمرَّ العذابات، منتهرًا صرخات اليهود العنيفة وتجديف من صُلِبَ معه. إعترف بذنبه “لأنّنا نلقى ما تستوجبه أعمالنا”، أعلن براءة المسيح “أمّا هذا الرجل فلم يفعل شيئًا سيّئًا”. وبّخ عجزَ اليهود عن حبّ الله، دانَ حكم بيلاطس، أعلن مجد يسوع، فنال بذلك الغفران واستحقّ الدخول إلى الملكوت.
لقد غفر له الربُّ سريعًا، لأنّ اللصَّ تاب وآمن بالمصلوب. طلبَ أنْ يذكرَه، أمَّا الربُّ فأجابه بفيض: “اليوم تكون معي في الفردوس”، لأنّ الحياة هي أن تكون مع المسيح، وحيث يكونُ المسيح يكونُ فردوسُه ويحلُّ ملكوتُه. ونحن أيضًا علينا أن نُدرِكَ أنّه بدون غفران لن نرى الملكوت. غفرانُ الرب لنا وغفران بعضنا لبعض.
4– ليتقدَّس اسمُك / أعطنا خبزنا كفاف يومنا
إنَّ كُلَّ الطِّلبَاتِ التي ذكرنا سابقًا، أيْ عدمَ الدخولِ في التجربةِ ومغفرةِ الخطايَا، هي روحيَّةٌ، فلا يمكنُ إذًا أنْ تكونَ هذه الطَِّلبَة، مَنحَ الخبزِ الجوهريّ، مادِّيَّة أيِ الخبزِ الذي يُؤكَلُ يوميًّا. إذًا، فهذا الخبزُ هو سماويّ.
يقول القديس أغسطينوس: “لماذا تسألون من أجل تقديس اسم الله؟ أنَّه قدُّوس، فلماذا تسألون القداسة لمن هو قدُّوس أصلاً؟ إنَّكم إذًا تسألونه ذلك وتطلبون، لأجل الله وليس لأجل صالحكم؟ لا، إفهموا هذا جيِّدًا، وهو إنَّكم تسألون هذا لأجل أنفسكم. إنَّكم تسألون من هو قدُّوس في ذاته دائمًا أن يكون مقدَّسًا فيكم”. فكلمة “ليتقدَّس” تعني أن يتقدَّس إسم الله فينا ولا يُحتقر. فما نطلبه هو لخيرنا، لأنَّنا إن احتقرنا إسمَ الله نصير نحن أشرارًا ويبقى الله قدّوسًا.
وفي نظر القديس كيرلّس، إنَّ الله ليس محتاجًا إلى مزيد من القداسة منا، إذْ هو كُليّ القداسة ومانح القداسة للخليقة. إنّ معنى “ليتقدس اسمك” في رأيه هو ليت اسمك يُحفظ مقدّسًا فينا، في أذهاننا وإرادتنا. وإنَّ من يُصلِّي قائلاً “ليتقدس اسمك”، فهو يطلب لنفسه ذهنًا مقدَّسًا وإيمانًا عميقًا، لكي يشعر بأنّ اسم الله مكرَّمٌ وقدُّوس. فالتقديس هو مصدر الحياة وسبب كل بركة.
يتقدَّس إسم الله فينا من خلال سرّ المعموديَّة. وما صلاتنا “للأبانا” وذكر هذه الطلبة بعد العماد إلاَّ لكي يبقى إسمُ الله مقدَّسًا فينا إلى الأبد. ولكن كيف يبقى إسم الله مقدَّسًا فينا بعد المعموديّة؟ إنَّ الربّ يسوع في ليلة آلامه أعطانا سرَّ الإفخارستيا، سرَّ القربان المقدَّس والخبزِ السماوي، لكي يبقى إسم أبيه مقدَّسًا فينا وبواسطتنا مع العلم أنّ اسمَه مقدَّسٌ منذ الأزل وإلى الأبد. ولهذا، يُصبح تقديسُ الإسم مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بِمنح الخبز الجوهري، أي القربان المقدَّس (سرّ الإفخارستيّا). وتأتي الإفخارستيا لتُتَوِّج المعموديّة فيبقى إسم الهي مقدَّسًا على الدوام.
إنَّ الخبزَ الجوهريَّ أو الخبز الشكراني، جسدَ المسيحِ ودمَهَ الإلهيين هو أسمى من المَنِّ الذي أكله اليهود في الصحراء وماتوا. أنّه الخبز الحيّ والمحيي الذي نزل من السماء ليقدِّس ويحيي من يتناوله ويعطيه الحياة الأبديّة. هو جسدُ المسيح ودمُهُ، تلك النعمة التي وهبها الله لنا بشخص ابنه الوحيد ربّنا يسوع المسيح في عشائه الأخير مع تلاميذه: “خذوا كُلوا هذا هو جسدي… خذوا اشربوا هذا هو دمي… إصنعوا هذا لذكري ” (راجع لو22: 14-20). لقد حددّت الكنيسةُ صلاةَ الأبانا في القدّاس الإلهي قبل وقتٍ قليلٍ من المناولة الإلهية لجسد المسيح ودمه. كما حدّدت أيضًا أن نصلّي صلاة أُخرى قبل المناولة مباشرةً: “أهلنا أيها الربّ الإله أنْ تتقدَّس أجسادنا بجسدك القدّوس وتتنقّى نفوسنا بدمك الغفور…”. كلُّ هذا يعني أنّ تناولَ جسد الربِّ ودمه يكفينا ويُحيينا ويقدِّسنا ويجعلنا على مثال الله مقدَّسين في الحق مرمِّمين صورة الله فينا بعد أن شوّهناها بخطايانا وأفعالنا السيّئة. إنَّ الله يتبارك ويتقدَّس في قدّيسيه، وكلّما اتّحد جسدنا الفاني بجسد المسيح الحي، زادت قداستنا وزادت قداسة الله فينا وتحقّقت صلاتُنا ونلنا الخلاص.
في الختام، إنّ صلاة الابانا ليست مجرد صلاة نرفعها إلى الله لكي ننال بواسطنها الخير والبركات. بل هي صلةٌ وتواصلٌ ودستورُ حياةٍ وجَبَ على كلِّ مصلِّيها أن يعيشوا مفاعيلها. فتحقيقُ المشيئة وعدم الدخول في التجربة تطالُ حياتي الذاتيّة والشخصيّة. أنْ أُحقِّق مشيئة الله بعدم وقوعي في التجربة لهو أمرٌ شخصيٌّ وذاتيٌ أبني به علاقةً مع ذاتي ملؤها الإحترام وتقديس الذات.
أمّا مجيءُ الملكوت ومغفرةُ الخطايا فتطالُ علاقتي مع الآخر مع أيِّ إنسانٍ قريبًا كان أم بعيدًا. أنْ أطلب دائمًا مجيء ملكوت الله في حياتي بمسامحة وغفران من خطئ إليّ لهو انطلاقةٌ نحو الآخر في علاقةٍ صحيحة ملؤها المحبة والتضحية والوفاء، أقدِّسُ بها الآخر وأدعوه إلى الخلاص.
وأخيرًا، إنَّ تقديسَ الإسم بتناول الخبزِ الجوهريّ تطالُ علاقتي مع الله بشكلٍ مباشر. أنْ اُقدِّسَ إسم الله في حياتي وكياني الإنساني بتناولي جسد الربِّ ودمه لهو غَوصٌ في علاقةٍ مع الله ملؤها الإيمانُ والورعُ والتقوى، أُقدِّسُ بها اسمه في كلّ ما وهبني من حكمةٍ وقامةٍ ونعمة، وفي كلّ وزنةٍ جاد بها عليّ.
وفي النهاية، إنّ صلاةَ الأبانا هي صلةٌ وتواصلٌ في أبعادٍ ثلاثة: صلةٌ مع الذات، وتواصلٌ مع الآخر، وحَجٌّ إلى الآب للغَوصِ في سرِّ تدبيره الخلاصي.
فيا أبانا الذي في السماوات، نحبُّك ونشكُرُك ونمجِّدُك من الآن وإلى الأبد آمين.