رعيّة رشدبّين

مواضيع وتأملات لاهوتية

!ونحن شهود على ذلك

“المسيح قام”، “حقًّا قام”. لكنّك هل تستطرد بقولك “وأنا شاهد على ذلك؟” في الأغلب لا تقولها، وإن فعلت، كانت روتينيّة من غير تفكير.
هل نؤمن حقًّا بالقيامة؟ ألأنّ الرسل والمريمات نقلوها إلينا نحن نؤمن بها؟ كيف ننظر إليها؟ هل الإيمان بها هي طريقة للهروب من الموت؟ كيف شكّ توما؟ أسئلة لا تنتهي نطرحها حول هذا الموضوع وغالبًا ما نبقى دون جواب شاف.

هو الأحد الأوّل، لقد قام السيّد منذ ثمانية أيّام وانتهت بهجة القيامة لمن لا يفتّش عن القيامة إلاّ في هذا العيد. لقد عبرنا فصح الرّب ودخلنا في حقيقة صعوبات حياتنا المسيحيّة: أن نؤمن بما لا يمكن لعقل أن يفهمه، أن نصدّق أن الرّب قد قام، وأنّه قام من أجلي أنا. صعوباتنا الإيمانيّة هي صعوبة توما نفسه، أحبّ كثيرًا فخاف أن يكون كلام الرّسل مجرّد أوهام، خاف من الأمل الخادع، خاف أن يعود الى ألم موت المسيح مرّة أخرى إذا اكتشف ان ما تقوله النسوة والرسل هو مجرّد وهم عابر.
هي قصّتنا نحن، قصّة خوفنا من المجهول، نفضّل عدم التصديق، نفضّل أن نعتبر المسيح غائبًا عن حياتنا لئلاّ نتألّم من فقده مرّة أخرى. هي قصّة اتّكالنا المبالغ به على عقلنا وقوانا العاقلة وتفتيشنا عن حقيقة الله من خلال المنطق الإنساني والدلائل العلميّة. هي قصّة قلب خفت حبّه تحت وطأة عقل كثر شكّه. هي قصّة مجتمع لم يعد يؤمن الاّ بما هو ملموس، وبما هو في متطاول يده.
خوفنا من المجهول الّذي ينتظر الإنسان ما بعد الموت،
خوفنا من أن يكون جسدك قد سُرِق حينما لم يجدوه في القبر،
خوفنا عليك كخوف الأمّ الّتي لا تصدّق قبل أن ترى وتلمس إبنها الّذي أُعيدت إليه الحياة بعد موته بقدرةٍ إلهيّة،
خوفنا على ذاتنا من أن يعضّنا اليأس والألم طوال العمر، كَداءِ البرص، من جرّاء موتك الّذي رأيناه بأمّ أعيننا ولم نستطع أن نفعل شيئًا، …
ومخاوفنا الكثيرة الباقية، جعلتنا نرفض ما حدث لكَ، فهربنا إلى النواحي القريبة من مسرح الجريمة، نهيم حول الصليب من بعيد علّنا نفهم لما قد حدث ذلك، ولم يُفَتح قلبنا على ما قلته لنا بصدد قيامتك في اليوم الثالث.
لم نصدّق لشدّة حزننا على فقدانك وعلى حالنا من بعدك. على الحلم الّذي تصوّرناه أبديًّا معك: عشناه معك في الحرّ والصقيع، في الليل والنهار، مع الفقراء والأغنياء، فحسبنا أنّ كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام، وأنّنا معك وبحضورك بيننا بالجسد المنظور سنكون مطمئنّين، لا نهاب غطرسة الحكّام واللاويين ولا إستكبار الفريسيّين ولا حسد الكهنة ولا مكايد الفاسدين.
نعم خفنا، حزنّا، قلقنا، إنهارت الدنيا تحت أقدامنا، فخِلنا أنفسنا نتلاشى ونهبط في وادي ظلال الموت ونحن ما زلنا أحياء.
“طوبى للّذين آمنوا ولم يروا”
أعذرنا هذا نحن توما الأمس واليوم وغدًا. توما كلّ حين في كلّ زمانٍ ومكان.
اليوم، وقد رأينا، حرّرنا من كلّ خوفٍ يعكّر صفْوَ إيماننا بقيامتك المجيدة حبيبي.
حرّرننا من خوفنا من الألم، من الضياع، من خوفنا من الموت وما بعده.
حرّرننا من الإفتقار إلى الحبّ والإيمان ومن إنعدام الرّجاء.
حبيبي، اليوم يوم رحمتك الإلهيّة. حوّل عمى بصيرتنا إلى نور، ومن ألمنا إجعلنا ننتزع الفرح الحقيقي، وأنت اجعل من ضعفنا قوّة ومن شكّنا يقين ومن قلّة تنبّهنا حكمةً وفطنة. علّمنا كيف ننتبه إلى بذرة الإيمان الّتي أعطيتنا إيّاها بالمعموديّة فنحافظ عليها سليمة كي تنمو صحيحة طالما حَيينا.
إجعل من إيماننا شهادةً حيّة تكشف أنّ الله هو المحبّة بالذات، وأنّه وحده من أحبّ كلاًّ منّا محبّة شخصيّة، دون مقابل ودون حدود.
حبيبي، إجعلنا نثق بأنّك رحمتنا وأحببتنا كما نحن. لم تنتظر من أيٍّ منّا أن يحبّ كي تحبّه، بل بحبّك لنا، جعلتنا نعرف معنى الحبّ الحقيقي، فنحبّ الآخر متشبّهين بك يا منبع الحنان والرحمة.
صحيحٌ أنّنا لا نراك بالجسد لكن، إيماننا بك، الّذي هو استجابةً لدعوتك لنا، يجعلنا نلمس حضورك في القربان يا من أحببتنا من قبل أن نولد.
إيماننا بك هو إكتشاف وجودك الفاعل حقًّا في الوجود وفي أعماق الإنسان، إلى أبعد ما يمكن لعقلنا المحدود أن يتصوّره. هو أنّ نحرِّر أنفسنا من كلّ قيدٍ يقبض على قدرتنا وثقتنا وتخلّينا عن كلّ ما يعيق تقدّمنا نحوك، لنطلقها صوب الرّوح الساكن أعماقنا، فيقودنا نحوك يسوعي، أنت القائم من بين الأموات منتصرًا.
ولأنّك الحب اللامتناهي، فنفسنا في إشتياقٍ إليك. هي ظمأى فأروِها، إنّنا نثق بك. آمين.

جاكي جوزيف ضوميط

القيامة المجيدة

المسيح قام!

وعند المساء، عندما يتثاءب القمر فتهرع الغيمة وترتمي عليه لحافًا يقيه البرد، صرختي الأولى كانت إليك، وندائي الأول، نغنغتي ومناجاتي.. وجودي.. بشريتي، ضعفي، خوفي، حزني، فرحي، كلُّها تقودني إليك.
ذات مساء كنت بين خيان الشوق إلى لمسة حبك كان الظلام بيني وبينك، وكانت السماء أبعد في نظري، والخوف أقرب في قلبي، والطريق إلى النور طويل..
وعندما وصلتي نسمة على رأسي وشعرت بها تقول لي: يا ولدي، الطريق إليه آمن.. إنتبه أن تتوقف.
ثم أشارت إلى الأعلى..
وهمست في أذنيّ نغمة حب ولحن حياة
“كما حوّل الحجر الذي دُحرِجَ عن باب قبره لشاهد لقيامته سيحوّل قلبك لقلب ينبض حب مع كل دقة وعقلك ليكون مسكن لافكاره وفمك لفاه يسبحه، يمجده، يشكره ويعلن خلاصه، ويديك لاداة بين يديه ورجليك لتتبع خطواته وعينيك لتراه بكل آخر.
أمن الموت خائفة؟
لم يجرؤ الموت ان يقترب من المسيح بل المسيح قربه اليه
لقد مات المسيح حقًّا
لكن غير مقهور من الموت
لقد اقتحم المسيح قوات الجحيم ليس كمن سقط في مخالبها ولكن كغالب حطم قواتها
لقد ظن الموت انه فاز بغنيمته
وحالما أبصر يسوع متقدمًّا نحوه تيقن أنه لا بد من رد المسلوب
فلم يقو الموت علي مناهضة ابن الله فترك الغنيمة بين يدي صاحبها
وتقهقر الموت أمام الجبار
لقد دخل يسوع الى مكان الموت ليميته … ويحل أدم من سلطانه
أشرق النور على الحزاني وأبهجهم
المسيح قام، ودقّت الأجراس فرحًا وإبتهاجًا بيوم السلام، يوم الفصح أي العبور من الموت إلى الحياة، اليوم الّذي تحقّقت فيه نبؤات العهد القديم في الخلاص بالفداء بالمسيح يسوع، فهذا هو إذًا اليوم الّذي صنعه الرّبّ، فافرحي وتهلّلي به !
صوت الكتاب المقدّس والرسائل يهتف بإيمان أنّ الوعد قد أصبح واقعًا، قَلَبَ حياة كلّ من آمن به، وقادهم إلى أقاصي الأرض ليعلنوا البشرى، بشرى الخلاص. لقد حوّل كلّ رغبةٍ في العيش إلى حقيقة، وكلّ أملٍ إلى رجاء، وكلّ موت نفسٍ إلى حياة رغم ضعفك، وفشلك، وفعل الخطيئة الّتي لا تنفكّ تلاحقك لتقذف بك في هوّة الموت المُبيد.
شاهدي القيامة في كل اطلالة شمس توقظ البرايا الى الحياة والتسبيح
في تفتّح الزهر بعد شتاء رمادي رتيب
وشاهديها بقرع ألاجراس إلى الموعد وسط ضجيج زمننا المشتت
بصيحة هللويا تطلقها حناجر جرّحها الألم والظلم
بالنهوض من بلادة الإحباط والقنوط والتخاذل إلى رحاب الفرح والحياة.”
ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول الصعود إليك، وكلما اقتربت منك وجدتك أقرب إلى قلبي وأبعد من خيالي
أحببتك قبل أن أخافك، وكلما سمعت اسمك صرت به أكثر ثراء
يأتي اليقين بعد الشك، يأتي منثالا بجمال ما أودعته وأبدعته يا رب في أعماق المحيطات وأجواز الفضاء
في ألم الأمهات وعجز الأسئلة.. ومرارة الفقد؛ يأتي التضرع باسمك..
في وهن الجسد وضياع الروح.. وقسوة الخسارة؛ يأتي التبتل إليك..
يارب.. كنت معي في ظلمة الرحم، في طفولتي وأحلامي في تفاصيلي الصغيرة
كنت معي في الإخفاق والنجاح، في مواجهة الحياة، في الانطلاق والنهاية، أمام ألسنة جارحة وخلف مخالب الظلام
يارب، وأنت الجميل الذي خلقتني جميلاً، وأردت لي أن أكون كما خلقتني؛ أبقني على فطرتك بعيدًا عن تشويه ذاتي
يارب، إمنحني القوة ألاّ تتعثر خطاي في مسيري إليك
يارب.. أعطني يقينا بقدر أملي فيك، واجعل ما بيني وبينك مسافة حب
يارب.. وأنت الكبير في عليائك وأنا الهباءة في كونك؛ فكن أنت الصاحب في سفر الحياة، آمين
يا رب اجعل كل شي في كياني شاهد حي لقيامتك يصرخ ويقول المسيح قام حقًّا قام أين شوكتك يا موت أين انتصارك يا جحيم، قام المسيح وانت قُهِرت، قام المسيح ولم يعد في القبر ميت لأن فصحنا المسيح قد ذُبح. له المجد والعزة مدى الدهور. آمين.

جاكي جوزيف ضوميط

الجمعة العظيمة

يا هذا! يا أنت! أيها المعلّق على شجرة! أأنت المسيح أم يهوذا؟
كم أكره الحزن الذي رسمناه على وجهك لأنه طبع البشرية بصورة الألم حتى صرنا نستسيغ طعم دمنا، ونلعق جراحنا كالكلاب المريضة، ونفتّش عن المرض كما تفتّش الهررة القذرة عن طعامها في صناديق القمامة، ونقول: لا بأس، مع آلامك يا يسوع! صرنا نبحث عن الحزن والعذاب، عن الضرب والجلد والكآبة ونهرب من الفرح والسعادة..
جعلناك بائسًا مسكين!
نرتكب الآثام باسمك، وأنت تحني رأسك محبة
يبكي الناس مرّة في السنة عند استرجاع ذكرى آلامك، وأنت صامت تتفرج كما يتفرجون.
يرتفع رأسك المكلّل بالشوك الثمين فينظر إليه الناس ويحللون العمل الفني فيه، والمواد المصنوع منها، ويحاولون أن يحددوا عمرًا لديمومتك في ساحة بلدتهم
ألن تهرب الليلة من على الشجرة التي علقوك عليها كأنك يهوذا؟
كم أكره الحزن الذي جعلوه علامتك المميزة!
يليق بك حب، تليق بك السعادة، يليق بك الفرح!
كم أكره الحزن على وجهك لأنه يذكرني بحزن البشرية كلها، بتعب العالم كله، بيأس الناس في كل مكان، بالأشجار التي كانت خضراء وصارت صلبانًا.
إنزل عن الشجرة يا رجل واحملها وامسك يدي لنجعلها حطبًا في موقد جبلي، ولنسهر معا فتخبرني حكايات تمحو الحزن عن وجهي لأني عندما أسمعك سأبكي فرحًا، سأبكي كثيرًا، وعندما أبكي سأرتاح، وأغفو على صدرك وأنا مبتسمة
أكره الحزن الذي ألصقوه بوجهك يا صديقي المسكين، والسير إلى الموت كأن لا خيار آخر أمامك، والخضوع للضرب والإهانة، والضعف الذي ألبسوك إياه إنزل عن الشجرة العارية يا صديقي العاري، وارم أشواك تاجك تحت تراب أرض المحتفلين بحزنك، وامض معي إلى حيث لا يجدنا أحد، لعلنا بعيدا عنهم نبتسم قليلاً.
فأي رجال تاريخ كنت يا هذا العظيم؟
انك لم تخط سطرًا في كتاب، و لم تنظم قصيدة، و لم تضع بندًا في أحكام دستور، ولم تكن جيشًا، و لم تحمل سيفًا، ولم تضع أساس امبراطورية عالمية، بل متّ مصلوبًا ! لكن سلطان نفوذك و مقدرة عظمتك تخطت نفوذ أقدر الكتاب وأكبر الفلاسفة.. لقد تربع اسمك على صفحات التاريخ، ورن في أرجاء المسكونة كما ترن الموسيقى من ألف جوقة في نشيد واحد، وعطر أجواء القارات بأسرها كنفح الطيب الذي حمله النسيم من جنة الخلود. وحمل راية المساواة بين القصر وسوق الأرقاء سواء بسواء. أجل، إن اسمك يا يسوع إنطبع غرة في جبين الزمن، فيا لك من فريد يا يسوع !
فلماذا تتحدث البشرية عن آلام المسيح، فأقرأ بين سطور عيونها معجم الحزن، وكأن عيناها تنوه عليه وتصبح على حافة ذرف الدموع على عذاباته…
لما العواصف الإنسانيّة ترى يسوع الناصري مولودًا كالفقراء عائشًا كالمساكين مهانًا كالضعفاء
مصلوبًا كالمجرمين
فتبكيه وترثيه وتندبه
منذ تسعة عشر جيلا والبشر يعبدون الضعف بشخص يسوع. يسوع كان قويًّا ولكننا لا نفهم معنى القوة الحقيقية
ما عاش يسوع مسكينًا خائفًا ولم يمت شاكيًا متوجعًا
بل عاش ثائرًا وصلب متمردًا ومات جبارًا
لم يكن يسوع طائرًا مكسور الجناحين
بل كان عاصفة هوجاء تكسر بهبوبها جميع الأجنحة المعوجة
لم يجيء يسوع من وراء الشفق الأزرق ليجعل الألم رمزًا للحياة
بل جاء ليجعل الحياة رمزًا للحق والحرية
لم يهبط يسوع من دائرة النور الأعلى ليهدم المنازل ويبني من حجارتها الاديرة والصوامع، ويستهوي الرجال الأشداء ليقودهم قساوسة ورهبانًا
لم يجيء يسوع ليعلم الناس بناء الكنائس الشاهقة والمعابد الضخمة في جوار الأكواخ الحقيرة والمنازل الباردة المظلمة، بل جاء ليجعل قلب الانسان هيكلاً ونفسه مذبحًا وعقله كاهنًا
لم يصلب يسوع لنرى بصلبه الحزن والرثاء
صلب ليعطي لسعادتنا حياة، لحياتنا معنى، لقلبنا حب، لروحنا خلاص
هذا ما صنعه يسوع الناصري ولو عقل البشر لوقفوا اليوم فرحين متهللين منشدين أهازيج الغلبة والانتصار
إن إكليل الشوك على رأسك هو أجل وأجمل من تاج بهرام، والمسمار في كفك أسمى وأفخم من صولجان المشتري، وقطرات الدماء على قدميك أسنى لمعانًا من قلائد عشتروت
فساعدنا يا سيد نحن أبناءك الذين ننوح عليك، هبنا أن نرى في صلبك الحب، لنرى فيه الإنتصار على الموت ولا الهزيمة، ولنزرف دموع الفرح لأن أرواحنا شفت بدواء محبتك اللامتناهي
فموتك فخر لنا، لأن موتك هو حياة لنا!
جاكي جوزيف ضوميط

نهار عيد الأم

إلى أمّنا مريم العذراء

ب حَقِل مزيّن بطيّات حرامو مغطّى
وبعطر الياسمين محمّم حالو مِستِحي
مستحي الحقل من صوت العصغور مغنّى
معمّر بجناحه فيٍّة أرض ومنحني
ب حقل شربت زهراتو حب ومتهنّى
متهنّى الصخر بلمسة عطيتها الدني
لمسة إم خلقها الرب وتأنّى
بكل شعرة تَتِطلع لوحة مزيّني

خلقها وردة بين الحقل واشواكو
خلقها نغمة تسمعها الدني وتسكر
تسكر ع كاس الحلى وألحانو
اللي وعّى النايم وعّى باب مسكر
مسكر هالباب و حزنان عحالو
لأنو ما عرف عَ صوت الحلى يسهر
ولما شاف آية خلقها الرب كرمالو
قلو القلب عَ إيدا بدّي إكبر

خلقها آية جمال مقدّسة
آية بإيدها الصمت حملتو سلاح
ركعت عتختا اللي كان إلها محبسة
صرخ صمتها للرب وقلو جراح
حيطي بريشة بالحب كلها مغمسة
ولما نكسر حيط الصمت رتاح
قالت نعم أنا أمة مكرسة
لمشيئة ربي اللي الهمّ عنّي زاح

بكلمة منها ابتدا العهد الجديد
وبكلمة منها انبصمت لوحة إيمان
وبكلمة منها سكرت قانا الجليل
لما طلبت من إبن الإنسان
يعبّي جرار الخمر، يدفّي الجليد
بأوّل آية عرفها الزمان
بكلمة منها انكتب بالخط العريض
ابتدت الحكاية اتجسد الله العشقان

من وردة لبست قلبها يوم الولادة
لشوكة غرزت وردة بدرب الجلجلة
من شوكة جرحت قلبها حرمتو السعادة
لتاج النصر إجا يتوج مرحلة
تتوج قلبها بإكليل زهر القيامة
لما إبنا عالموت بنى مملكة
لما صار الحب أعظم ديانة
قلا الرب انشري هالحب واملكي

ومن وقتها صارت تدعى أم الرب
أم الفادي والمسكونة كلها
عدرا شرقت شمسها ع دروب الحب
وبغمرة حنانا لفّت الدني بقلبها
حملت صمت وطهارة وسلكت الدرب
والكون اليوم حامل مسبحتها
هيي سلاحو بيحمي فيها القلب
العدرا اليوم أم الأرض وملكتها

جاكي جوزيف ضوميط

تأمل في إنجيل أحد آية شفاء الأعمى 2018

أحد آية شفاء الأعمى
بحرٌ من الحجّاج يتماوج في الطريق نحو أورشليم وبينهم يسوع والتلاميذ؛ يحيط بهم أشخاصٌ عرفوه وسمعوا بمعجزاته. الكلّ يتحرّك لأداء فروض الحج قبل الفصح، محمّلين بالتقادم والزّاد إلاّ “ابن طيما”، أعمى من أريحا، يجلس على قارعة الطريق مهمّشًا ومرزوِلاً لعاهته، ومحُسوبًا منجّسًا وصاحب خطيئة، فأضحى الكلام عنه ممنوعًا ولو حتّى للمطالبة بحقٍّ له. ومن عمق الألم الذي طالما رافقه أطلق صرخة الرحمة فمزّقت زمجرة الشوارع وضجيج المارة: “إرحمني يا ابن داوود !” ومن سيسْمَع لهكذا أعمى؟ “من أنت؟ من تحسب نفسك؟ أهكذا يصيحون بالمعلّم؟ إبقَ حيث أنت… المعلّم؟ لا وقت لديه…” ولكنّ الإيمان بأنّه “هو” من ينتظر، “هو” ابن داوود، وقد عرفه، “هو” صاحب الرحمة والقدرة على الشفاء، “هو” وحده من سينتشله من موت الجمود، موت الحياة الاجتماعية، الروحية، العملية… توقّف يسوع وناداه، فوقفت الجموع كلّها معه، وكأنّ الزمن توقّف ليبدأ مخاضه وَيلِدَ “طيما” المبصر المُجَدَّد بالروح والجّسد، إنّها ساعةُ صفرٍ لعهدٍ مضى من حياة ذاك الأعمى، أوقف كلّ حركة لأنّ هناك أحدٌ كان مسمّرًا في مكانٍ ما وليس باستطاعته أن يمشي. وقف، خطى ونزع عَباءته عن منكبيه إشارة إلى نزع التقاليد والشرائع المفروضة عليه والّتي أنهكته سنين طوال واسْـتَبْعدَتْه عن الجماعة: خلعها ليتعرّى من إنسانه “العتيق” ويلبس حلّته الجديدة بمعمودية الإيمان. لم تقف تلك القواعد ولا حتّى الجموع حاجزًا بينه وبين يسوع لأنّ قلبه كان متبصّرًا، فما رآه بنور عينيه بل بالإيمان وبصيرة العقل. ويسوع ! …ذاك الراعي الأمين، هو وحده سمع لذاك الصارخ في برّية أولئك الناسّ حتى التلاميذ منهم؛ وحده الذي عرف بأنّ “ابن طيماوس” هو المبصر الوحيد بينهم للحقيقة. شفاه، ولاتّقاد قلب ذاك الشاب المُعَرّف عنه باسمه، إتّحد بصره بالبصيرة وأكمل الدرب مع “الشافي”، مسبّحًا شاكرًا دون أن يرجع حتّى إلى ذويه ليخبرهم: قد وجد البيت الحقيقي له، فلن ينظر إلى الوراء.
بين صرخة ابن طيما الأعمى: “يا ابن داوود ارحمني”، وسؤال يسوع له “ماذا تريد أن أصنع لك؟”، يُسمع “انتهارٌ” مؤلمٌ، صمُّ الآذانِ عن الأنين المُوجِع وفتحها، فقط، على الضجيج وهتافات الحناجر النحاسيّة، الساعية إلى خنق النداء، ووقف اللقاء.أمواجٌ من الناس منهم المرافقين والمتفرّجين، المترقّبين والمُسْتَزلمين، المُرائين وطالبيّ المعجزات… تزحم يسوع، تَسْمَع كلّ شيءٍ، عدا صوت القلب المتعطّش للشفاء: ما من أذُنٍ تُصغي إلاّ “هوْ”!

كلّ تلك الغوغاء لم تُثبت قوّتها ولا فِعْلها في هدم الثّقة بين الإبن المُعَوَّق وأبيه، وبين شوق طيما (الأعمى) إلى الشفاء ورغبة يسوع في تحقيق أمنية قلبه: أن تعود إليه الحياة التي، حتى تلك اللحظة، كانت تدور من حوله وهو ملقًى على هامشها… وبكلمةٍ واحدة من يسوع، “أدعوه”، صَمَتَ الكلّ وساد العجبُ. لقد تبدّل كلّ شيء! مرافقوه الّذين اعتقدوا أن المسيح هو خاصّتهم، ولهم وحدهم القرار في اختيار الأكثر استحقاقًا كي يقترب منه أو يطلب آية ورحمة، تحوّلوا إلى منفّذي أوامر! لم يدركوا بعد عمق سرّ المحبّة بعد، وما زالوا يجهلون متطلّبات الرسالة.

فمن يستطيع أن يسمع خفقان القلب ويشعر به إلاّ الحبيب؟
أما كان هذا ما يبحث عنه يسوع في الإنسان، فسمعه عند ذاك الساكن على قارعة الطريق؟
إنّه يبحث في أعماق القلب وأشواقه ويسأل: “ماذا تريد؟”
ألا يعلم بحاجاتنا الدفينة؟

إنّه الوحيد الذّي بمقدوره أن يكشف لنا المَسْتور والغامض من حاجاتنا. لكنَّ سؤاله، له من الأهميّة بمكان، لأنّه يوقظ فينا ما هو أبعد من المنظور. إنّه يدفعنا للغوص أكثر في أعماق النفس، كي نكتشف الرغبات التي ما زالت تقبع في الظلمة، وترفض أن ترى النور، فتبقى مختبئة تحت “عباءةِ” الخطيئة، إلى أن تغيّر هويّتنا شيئًا فشيئًا، ملتصقةً بنا التصاق الجلد بالجسد، مُعَوِّدةً إيّاها (أي النفس) على قبول قباحتها، فتتخلّى تدريجيًا، دون أن تدري، عن حريّتها وتفقد جناحيها. وبَدَل أن تترفّع عن الدنيويّات فتحلّق في فضاءٍ جميل، تبقى على “قارعة الطريق” ملازمة تراب الأرضِ وغبارها اللّزج، فيعلق بها ويُشَوّه وجه الخالق فيها، ويمتلىء أنفها “بروائح الأرجل” المارّة قربها وهي تلطمها يمنة ويُسرة.
أفلا نقبل التحدّي، ونقرّر تخطيّ الخوف من الخروج إلى نورهِ بكلّ رغباتنا، كي نعرّيها بحضوره؟

ألا نرغب في الحريّة الحقيقيّة، والشفاء الأكيد، والغفران؟
ألا نتوق إلى اكتشاف معنى وجودنا، وإشباعِ جوعنا إلى الحبّ؟ أن نُحِبَّ ونُحَبّ بتجرّدٍ، بعيدًا عن المصلحة الشخصيّة؟
ألا ننشد السعادة والحرّية، ونحلم بإطلاق الصوت عاليًا في صرخةِ فرحٍ مُدَوّية، وتسبحةِ شكرٍ للذّي خلق، واهبًا القلب للحبّْ، والفكر للفهم، واللسان للتعبير؟

لتكن لنا جرأة برطيما، بطلب الحريّة “إرحمني”، وجهوزيّته الفائقة “وَثَبَ”، وإيمانه بالانخراط في الحياة التي همَّشَتْهُ “أريد أن أُبصر” . لنُلقِ “عباءتنا” ونستعدَّ للإنطلاق أحرارًا بإيمانٍ وثقة، وإلاّ، تآكلَنا عَفَنُ العزلةِ، واختنقنا في زنزانةِ الإبتعادِ عن النور والحياة مع الآب بالإبن والروح.
من منّا ينزع عباءته كي يخفّ المسير نحو الآخر؟ من منّا يترك كرسيّه لِوَلدٍ صغير يرغب في الجلوس عليه ولو لثوانٍ؟ من منّا له في السلطة مكانًا ويستخدمه من أجل خير الآخرين بتجرّد؟…
كلنّا نتفاعل مع الكلمة والإحساس، ولكن الفعل يبقى في طيّ التناسي. كلّنا نتسابق في زرف الدّموع والتعبير عن مختلف المشاعر بكلماتٍ ليست إلاّ كلماتٍ ملوّنةٍ بالنبرات المُنتقاة من قاموس المظاهر، فتنزل كالمطرقة على أوتار النّفوس المتألّمة، المحتاجة إلى قلب “والد الإبن الضّال”، ويديه الحاضنتين دون كلامٍ كثير… من منّا يؤمن بأنّ عظمته تكمن في حرّية اختياره خدمة الآخرين بتواضع القلب والفرح؟

فلنأخذ استراحة ونوقف عقارب أنانيتنا أو “بروتوكول” منصبنا للحظات كي نسمع صراخ من هم بحاجة إلينا. وسوف نكتشف أنّنا نفسنا من هي بحاجةٍ لوقفة مع الذات وذات الله التي فينا. فلنزح رماد الفتور عن قلبنا لمرّة كي تتأجّج نار الحبّ التي داخلنا بالتّأكيد، فنتحوّل نحن إلى حياة عاكسةً فرحها وسلامها على الآخرين. فلتأخذ صمتنا إلى زاويةٍ من زوايا الخالق العظيم ونتأمّل في ما أعطانا من حبّ، فلنؤمن بقدرته التي يكنزها داخلنا وننطلق مع الأعمى المُجَدّد في طريق الرحمة والحقّ.

جاكي جوزيف ضوميط

تأمل في إنجيل أحد آية شفاء المخلع 2018

أحد آية شفاء المخلع
ها إنّي اليوم أنا “الآدمي”، أستغل حب الخالق، أتاجر بحرّيتي الممنوحة لي في “السوق السوداء” التي سلبتني إياها، ورمتني مخلَّعًا في فقر النفس الأنانية، والغيرة من الله، فسقطت في تعظيم ذاتي: كيف لا أكون مثل الله، ذو سلطان، وآمرًا ناهيًا؟ ها إنّي اليوم ينغلق وجودي بأسري على سرير لا أغادره، وعلى صدقة أطلبها، متعلّقًا كليًّا بحسنة الآخرين يرفعونني وينقلونني. متألم أنا من سبب إعاقة روحي، مطروح دون حراك، أصرخ من ثقل خطاياي ودموعي حفرت دربها على وجهي..
ها أنا اليوم ضائع في ضجيج هذا العالم تائه بين أهوائي غارق في مستنقع شهواتي..
هل من أحد ينتشلني؟
هل من يد تحمل بإحدى أطراف سريري أنا الذي لم ألتقِ بعدُ بيسوع وما زالت مخلّعًا في قلّة حبّي وحقدي وضعفي وفقداني لسلامي الدّاخليّ… هل من يد تضعني بحبّ وإيمان بين أحضان الحبيب لأُشفى؟
أمرٌ صعب ومُرّ، لكني زاحف باحث عن فتات رحمة عند أخي الإنسان، فالحبّ والمسامحة هما دوائي الشافي.
هل من يد تزيل القشّ والعيدان والتراب لعمل فتحة في سطح البيت الّذي يسكنه يسوع كي تدلّي منه سريري؟
هل من أحد ينقلني إلى سطح المنزل حيث يجب “البَحشُ” بالأصابع وبأيدٍ شديدة وإرادة صلبة: عملٌ شاقّ لكنّ ثمرته ليست سوى الحبّ لروحي الّتي، ربّما، لا تُشفى إلاّ إن رأت فعل حبّكم له يحمل تخلّعي في سريري أمام إله الغفران والمسامحة والحبّ.
حبّكم لي هو ما سيدبّر اللقاء مع يسوع، لقاء سيكون له الوقع الكبير فيحصل شفاء الرّوح بغفرانه خطاياي، وشفاء الجسد منه لأعود معافىً على الصعيدين.
أنتم يا إخوتي قادرون بحبكم أن تنتشلونني من ألم الخطيئة الذي يقتل روحي ويرميني في زقاق الموت
أنتم يا أعضاء جسد المسيح دواء شلل روحي
حبّكم لي يهدم جدار الحقد المغروز في تربة قلبي الجافة
فالحب سلاح عجزت قوّات العالم على التّغلب عليه
عرّفوني على كلمة الله الحيّة، على إنجبل الرب الذي رُسمَت في طيّات صفحاته وجه الحبيب الحنون الغفور، وجه ابن الله الحق وعندها ألتقي الله الذي لم ولن يحنث بوعده، ولم يتنقل، حسب الظروف، بين ال “نعم” وال “لا” في مسيرة خلاصه للإنسان. هو دائمًا إله العطاء والحب المقدس اللامشروط. إنه إله ال”نعم” للحياة، دون منازع، وإله ال”نعم” للرحمة والغفران، لعطية الأبوة، فيجعل منا أبناء له بسكنى روحه في قلوبنا. هو الآب الذي يأبى إلا أن توضع خمرة توبتنا الجديدة في زقاق جديد فلا تراق هباء، بل تولِد عالمًا جديدًا، ينبت ثمار فرح وسلام، صحيحة، طيبة وفيرة.
عندها أتكلم مع يسوع بصمت النظرات الصارخة: إرحمني يا أبي من “شماتة الناس”، واشفني من خطيئتي، فتزول اللعنة عن جسدي وأستريح!
عندها، سترون تفاهم وتناغم إسراري بيني وبين المخلص. فيسوع، ذاك الوجه الجميل والشخص الحنون سيغوص في أعماق ألمي ويرى عذاب روحي من سخرية المجتمع والتشفي بي لأجل اعتقاداتهم “المقصلية”، فيناديني بكل عذوبة “يا بني!”، يعتقني من مؤبد قساوة قومي وإهانتهم لي.
عندها سأنتبه إلى حنو الآب نحوي. سأتحسس بالإيمان في أعماقي. سألاحظ أنه بتلك العبارة قد رمم علاقتي البنوية به، مزيلا عن كاهلي عبء الخطيئة، موضحًا لي السياق الذي أدى إلى تلك المصالحة “مغفورة لك خطاياك”
عندها سأحمل إيماني الثابت بأن شفائي قد تم بحبّكم أنتم إخوتي بالمسيح
وعندها، منذ اللحظه الأولى لالتقاء نظراتنا، سأنقل شكري، من القلب إلى القلب، من ابن إلى ابيه، لأنّه وضع في طريقي حبّكم الكبير لي
و بدمعة حب أخرس وبسمة أمضي من أي كلام تمحوه الريح بعد حين، أُبحِر في بحر المحبة في عيونكم، أرتشف منه قطرة، وأمضي…
جاكي جوزيف ضوميط

صوم الطبيعة

سألت الطبيعة عن الصوم، بحشرية تغلغلت أعماقي، فنظرت إلى خالقها وقالت: في حنايا الصمت، أصوم
قمم جبالي تتسارع للمس طرف ثوب العلي، تقتات ثمار الخلاص وتحني رؤوسها أمام من رسمها بقلم العظمة لتشبع أجوافها وتصوم بخشوع. أزهاري تخلع عنها ثوب الظلمة، تفتح يديها شاكرة من أعطاها الحياة، ترقص ممجدة اسم الرب. أشجاري سلخت جذورها عن هذه الأرض الفانية، وغرستها في صحراء الفادي، حيث ارتوت من نبع حنانه ونمت تحت جناح حبه. كل ما فيّ يصوم بصمت، بخشوع. كيف لا والآب المحب هو الذي، وبنفخة واحدة، دفعني إلى الوجود. هو الكلمة التي تدحرجت من كافها أرضي، التي علت جبالي كلامها الشامخة، حفرت في ترابي وديان بعمق ميمها، وبطرف تائها جمعت عناصر شتى، فكانت حياتي. فيها كانت الحياة.
بالصوم استفاقت روحي ورفرفت عصافيري نحو سعادة الأبدية
صمت وأدركت معنى الحب وعندها
وعندها كانت الحياةهلم معي يا رفيقي نتبع درب الصليب
نسير معًا في طريق رسمه حب الحبيب

هلم معًا دون تواني لكي نخطو بالسباق
نتبع أثر يسوع ونعلن حبه في كل زقاق

هذا طريق سار فيه يومًا ، مخلِّصًا أحب الخطاة
لم يتوان بل بكل حبٍّ بذل ظهره للقساة

هيا يا صديقي نتبع خطوة بخطوة ، درب ذاك الإله
أنظر معي قطرات دم ترسم لنا طريق السماء

قطرات دم تتكلم وتعطي للميت حياة
فهيا معي يا صديقي لنرى قصة ذاك الإله

هناك فوق ربوة عالية، كانت أعظم قصة فداء
أنسان بريء ، للجميع جاء ليعطي حياة

جاكي جوزيف ضوميط.

حبّك ربّي

ربّي، يجعلك الغياب حاضرًا أكثر
أنت في غيابي لا تغيب
تحضر بين لون الحبر والحبر
في ثنايا التعب حين يصير التعب جلدًا أليفًا لا أخلعه عند النوم
عند انعطافة الريح في آخر الطريق التي أنتظر منها أن توصلني إليك
يسكنك غيابي فسيح جنات اشتياقك إلي في حضنك
فكيف لمن أحبني حتى الموت أن يراني بعيدة؟
تصير وجوه الناس لوحة يختبئ وجهك تحت أحدها
ليشرق علي من بين غيمة إشتياقك على غيابيغيابي يقربني منك يا يسوعي
فأغرق في ماضي وأراك في كل الزوايا تسكن نفسي وتتربع على عرشها
أراك حين بكيت يومًا وامتدت يدك لتمسح دمعتي
كنت موجودًا ولم أستطع أن أدرك وجودك
لأنك كنت نسيمًا وأنا كنت أبحث عنك بين العواصف
ولأنك كنت نهرًا يلتف حول جبل أحزاني وأنا كنت أريدك سيلاً يجرف أوحالي

حبك الربيعي ربّي يتسلل إلي من ثقوب الأبواب التي ظننتها صارت محصنةً ضد حضورك
فأتصل بعالم كنت أظن نفسي معزولة عنه
ثم أتبين أنك جعلتني على صلة وثيقة به
كأن حبك لا بد منه
كي تستعيد الأرض محورها
وتسترد دقات الساعة إيقاعها
وتنتظم علاقة الليل بالنهار
وتهدأ وتيرة الحركة في شوارع الأيام المزدحمة
وتعود الشمس لتشرق من الشرق وتغيب في الغرب
كأن لا بد أن تحبني كي لا تفنى الحياة كما يعرفها الناس

يعيدني حبك إلى صدرك
يخرجني من عقلي ويضعني في حضنك حيث ألقي رأسي المثقل بالتعب والألم
وتعيدني طفلاً يحتاج إليك ليحيا
وتعيدني طفلاً يخلع أفكاره عند لقياك
ويرتدي راحة غلالة نوم تدعوها إلى استنشاق حبك.
وطأت روحي، صغتني أنا من معارف جمعتها سحابة العشق وأعطيتني هوية تنسبك مسجلة باسم الحب

غريب أمر حبك يا يسوع!
فهو يتنقل بي بين أسئلة معلقة على مشجب الوجود بعلامات استفهام:
الحب ثم الحب ثم الحب
وغيرها كثير من عباءات الحب تلف جسدي كل يوم بواحدة منها
وعند الفجر العاشق
عندما تلهف روحي لرؤيتك وبي خشية من بعدي عنك
أحيك أسطر كلماتك وشاحا أتدثّر به

في غيابي عنك يا رب، أحصي كلماتك التي لم أرها بعد
رسائل حبك في كل كلمة في إنجيلك التي كتبتها خصيصًا لنا نحن أبنائك ولم نر أرى منها شيء بعد
وتنتظر كي أراها غارقة بين يديك حين تسلمها ألي مع فيض حبك
في حبك
أرتب العالم
أنظف جوارير الذاكرة
أكنس الأوراق الذابلة عن مكتبي
أمسح غبار الوقت عن زجاج ساعة الحائط
أكوي أفكاري التي جعلكها التقلب على قلق الانتظار
في حبك
يغيب كل ما عداي

جاكي جوزيف ضوميط.

ربّي

مشتاق زورك ببيتك ولو بالأحلام
آخر السهرة وفي حد البيت صفصافةوتكون ناطرني ع لهفة قلب ولعان
ويرقص قلبك ع مسمع دعساتيونسهر ويضحك ثغر الليل البسام
وتسكر النجوم ع كاس حبك عطشانينقعد نحكي وتنسيني الآلام
إنسى الوجع وإنسى سنين خرباني

نحكي قصة كرم الزيتون السهران
ع دمعة بي من الوجع هرباني

نحكي قصة قلبك العشقان
اللي عخشبة حب انصلب كرمالي

نحكي قصة قلب إمك الزعلان
اللي تتوج بأعظم قصة قيامة

قصة ما بتتكرر بتاريخ الزمان
ولا بتنتسى ولو بعد سنين نسياني

قصة صليبك تحت الشتي غرقان
تعمد بدم زرزب ع خشبة سنديانة

وبعد تلت ايام آن الأوان
تتم المشيئة و تتم القيامة

عجبين الزمن تتوج الإنسان
اللي قتل الموت وبإجر حفياني

دعس ع قبر الشر و وعى النعسان
قلو قوم معي جرة حب ملياني

بيخلص الليل و القمر بعدو سهران
وحتى النجوم تتفل مش قبلاني

مفروض إرجع طريقي سير عالأقدام
وللدرب اللي بقي من الليل مش كافي

بتقلي ما بقبل معك خليك عندي نام
دربك رياح وخطر والطقس مش دافي

وابقى وبعد السهر انت ع ريش نعام
تغفيني وتبقى أنت والحب ولحافي.

جاكي جوزيف ضوميط.

الصلاة الربية

(الصلاة الربيّة (مت٦: ٩ – ۱٥
الخوري جبرائيل شعنين
جاء في إنجيل القديس متى أنّ الربّ يسوع في عظته على الجبل طلب من تلاميذه والجموع أن يصلّوا، فقال لهم: “ومتى صلّيتم، لا تكونوا كالمرائين… وعندما تصلّون، لا تُكثروا الكلام عبثًا كالوثنيّين… أما أنتم فصلّوا هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليُقَدَّس (ليتقدَّس) اسمُك، ليأتِ ملكوتُك، لتكُن مشيئتُك كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا. واغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر أيضًا للمذنبين إلينا. ولا تُدخلنا في التجربة، لكن نَجِّنا من الشرير…” (مت6: 5-15). لقد حذّر الربّ يسوع في كلامه هذا كلّ سامعيه من الأسلوب في الصلاة: حذّر من صلاة المرائين ومن صلاة الوثنيّين. لكنّه لم يكتفِ بالتحذير من الخطأ، بل قدّم لنا أُسلوبًا صحيحًا ونموذجًا رائعًا في الصلاة وجَبَ على كلِّ مؤمنٍ أن يتَّبعه.
إنّ الصلاة الربيّة معروفة بصلاة الأبانا: ندعوها الصلاة الربيّة، لأنّ الربّ نفسه علّمنا إيّاها. ولهذا، تشدّد الكنيسة عليها في صلوات الساعة اليوميّة، وفي خدمة الأسرار المقدَّسة. إنَّها جزءٌ من العظة على الجبل التي أعطتِ البشريّةَ كلَّ تعليم العهد الجديد.
ولأنّ هذه الصلاة هي النموذج والمثال، سأغوص في أقسامها مستخرجًا ما يمكنني استخراجه، مبيِّنًا ما سكب الله فيها من جمالٍ وبركةٍ وخلاص، جامعًا القسم الأوّل، قسم التمجيد، مع القسم الثاني، قسم الطلبات، بهدف إيصال المعنى الحقيقي لهذه الصلاة اليوميّة التي علّمنا الرب.
1- أبانا الذي في السماوت
في العهد القديم كان المؤمنون يخاطبون الله باعتباره “السيّد” (راجع تك 18: 27، 30-32)، و”ربّ الجنود” (راجع 1صم1: 11) و”الربّ إله السماوات” (راجع نح1: 5)… أما التعبير “أبانا” فلم يستخدمه أحدٌ من الأنبياء والمرسلين، إلى الزمن الذي جاء فيه المسيحُ وأعلن أنّ الساكنَ في السماوات والسيّدَ وربَّ الجنود ووإلهَ السماوات هو الأبُ الحنون الذي يحبّ أبناءه ويعتني بهم.
في عظته على الجبل، أشار الربّ يسوع إلى إسم “الآب” 17 مرّة داعيًا إيّانا للصلاة إلى الله باعتباره الآب. فلفظة “أبانا” تدلّ على الأبوّة والمحبّة والصلاح والعناية والمرافقة والإهتمام. أمّا عبارة “الذي في السماوات” فإنهّا تدلّ على القوّة والإمكانيّة والرفعة والسلطان والعظمة: إنّه أبٌ لا نظير لمحبّته، وإلهٌ لا حدود لقوّته وإمكانياته.
لقد دعا الربّ يسوع سامعيه إلى أن يرفعوا صلواتهم، لا إلى قديسٍ أو ملاك، ولا إلى إلهٍ جبّارٍ مستبدٍّ وأنانيّ، بل إلى الله الآب: الأب والحنون والمحبّ الذي يعطي البركة والخير والسند لجميع أبنائه.
إنَّ العبارة الأولى للصلاة الربيّة هي استدعاءُ الله من السماوات: “أبانا الذي في السماوات”.أولاً: الله هو “أبانا”: بهذه الافتتاحيّة نسمي الله أبًا، وهكذا نعبّر إيمانيًّا أنّه لدينا أبٌ ولسنا أيتامًا. والله أبونا سيُلبّي كلّ مطالِب الصلاة بإيمانٍ لا يتزعزع، لأنه أبٌ لا يحرم أبناءَهُ من خيراته عندما يطلبونها بإيمان: “أيُّ إنسانٍ منكم يسأله ابنه خبزًا فيعطيه حجرًا؟ أو يسأله سمكةً فيُعطيه حيّة؟ فإذا كنتم، أنتم الأشرار، تعرفون أن تُعطوا أولادكم عطايا صالحة، فكم بالأحرى أبوكم الذي في السماوات يمنح الصالحات للذين يسألونه” (مت7: 9-11). نُسمِّي الله أبًا معترفين بالتبني الإلهي، أي مستحقين أن نكون أبناءً لله بالنعمة.
أنْ نكون أبناءً لله، هذا يعني أنّ كلَّ خيرات الله التي سنحصل عليها من خلال يسوع المسيح، إبن الله الوحيد بالولادة، ستربطنا بعلاقةٍ أخويّةٍ معه.
أنْ نكون أبناءً لله، هذا يعني أيضًا أنّنا سننال موهبةَ الروح القدس، روحِ الله أبينا، ونسمع صوتَه يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت”.
أنْ نكون أبناءً لله، هذا يعني أنّنا في شركةٍ دائمةٍ مع الثالوث الأقدس. بالحقيقة عندما نسمي الله أبًا، فهذا يعني أنّنا في حالة انتماءٍ وحياة، مع مصدرِ الحياة وصانعِها ومُعطيها.
لقد دعانا الربّ يسوع في هذه الصلاة إلى أن نقول أبانا، أي بصيغة الجمع، ليَدُلَّ على أنّنا والآخرين إخوةٌ، تجمعنا قرابةٌ روحيةٌ نتساوى بها جميعًا كبشرٍ أمام الله الآب.ثانيًا: الله في السماوات: أمّا العبارة الثانية “في السماوات”، فهي تدّل على أنّ أبانا موجودٌ في السماوات. وباعترافنا أنّ الله يسكن في السماوات، نُبعِدُ أذهاننا عن الأرض والأرضيّات ونحدِّق في السماوات والسماويّات، لنرى موطنَنا الحقيقيّ حيث بيتنا الأبوي موجود فيه. نحن غرباء على هذه الأرض ونزلاء. هدفُنا هو السماء، تلك الحياة المتألِّهة والمقدَّسة والمعتَقَة من الخطيئة والأهواء والموت.
إنَّ عبارة “أبانا الذي في السماوات” ترفعُ أذهانَنا إلى أبينا وبها نهتدي إلى وطننا الحقيقي. إنّها توّجهُ ذهنَنا وترشدُه إلى وطننا وتجعلُنا نرغَب بالوطنِ السماوي حيث نرى مجدَ الآب السماوي ومجدَ ابنه الوحيد وجميعَ الأبرار والصديقين.2- لتكُن مشيئتُك / ولا تُدخلنا في التجربة لكن نَجِّنا من الشريرإنّ تَحقِيقَ مشِيئة الله الآب مرتبطٌ إرتباطًا وثيقًا بعَدَم الدخُول فِي التجربة. فالربُّ يسوع نفسه، في ليلة آلامه في بستان الزيتون، حَقَّقَ مشيئةَ الله بعدم وُقُوعه فِي التجرِبَة، وتُشير إلى ذلك الأناجيل الإزائيّة الثلاثة: “وابتعد عنْهم قَليلاً فَأَكَبَّ على وجهه يُصلِّي قائلاً: يَا أَبي، إِنْ أَمْكَن، فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن، لا كما أُريد أنا، بل كما أنت تريد… ثُمَّ ابتعد ثانيةً وصَلَّى قَائِلاً: يَا أَبي، إن لم يكن ممكنًا أن تعبر عني هذه الكأس دون أن أشربها، فَلْتَكُنْ مَشِيْئَتُكَ… فتركهم وابتعد عنهم ليُصلّي مرّةً ثالثة، مردِّدًا الكلام نفسه” (مت26: 39، 42، 44)، “أبّا، أيها الآب، كلّ شيءٍ ممكنٌ لديك، فأبعد عني هذه الكأس، ولكن ليس ما أريد أنا، بل ما أنت تريد… تمّ ابتعد ثانيةً وصلّى مردّدًا الكلام نفسه” (مر14: 36، 39)، “أبت، أن شئت، أبعد عني هذه الكأس، ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك” (لو22: 42).
تعرّض يسوع في هذه الليلة لأنواعٍ كثيرةٍ من التجارب لكي يكُفَّ عن إتمام تدبير الله الخلاصيّ. فإبليس نفسه الذي جربَّه في البرية بكلّ تجاربه، ولم يقدر عليه، إبتعد عنه إلى حين (لو4: 13). لقد كان بستانُ الزيتون هو البرية التي عاد إبليس إليها لكي يُجرِّب يسوع ويثنيه عن إتمام مشيئة الله، ألا وهي الآلام والموت والقيامة، والتي منها يتمّ الخلاص للبشريّة جمعاء. إنتصر يسوع على التجربة ولم يقع بها محقِّقًا بذلك مشيئة الآب السماوي وتدبيره الخلاصيّ. لقد رأى آبَاءُ الكنيسة في هذه الطلبة سرَّ المعمُودِيَّة التي به يُكْفَرُ بالشيطان، بأعمالِه، بأفكارِهِ وبكلامِه. ونحن أيضًا بابتعادنا عن التجارب نُتَمِّم مشيئة الآب السماوي ونُتَمِّم أيضًا مواعيد عمادنا المذكورة.3- ليأتِ ملكوتُك / واغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر أيضًا للمذنبين إليناإنَّ مجيءَ ملكوت السماواتِ مُرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بِمغفرةِ الخطايا والتوبة: “توبوا فقد اقترب ملكوتُ السماوات” (مت3: 2). على الجلجلة، صُلِبَ يسوع بين لصَّين. أحدُهما بدأ يُجدِّف عليه ويقول: ألست أنت المسيح؟ خلِّصْ نفسك وخلِّصنا. فأجاب الآخر وانتهره قائلاً: أما تخاف الله وأنت تحت هذا الحكم نفسه؟ فنحن بعدلٍ حُكِمَ علينا، لأنَّنا نلقى ما تستوجبه أعمالنا. أمّا هذا الرجل، فلم يفعل شيئًا سيّئًا. ثمّ قال ليسوع: أذكرني يا يسوع عندما تأتي في ملكوتك، أي إرحمني يا ربّ واغفر لي. فقال له يسوع: “الحقّ أقول لك: اليوم تكون معي في الفردوس”، أي في الملكوت (لو23: 39-43).
نلاحظ أنّه إمعانًا في السخرية من ملك اليهود، صلبوه بين لصَّين: واحدٌ عن يمينه والآخر عن يساره، فتمَّت به نبوءة النبيّ آشعيا: “بذَلَ للموت نفسه وأُحصِيَ مع الأثمة، وهو الذي شفع فيهم وحمل خطايا كثيرين” (أش53: 12). لقد حمل المسيحُ نفسُهُ اللصَّ من الصليب إلى الفردوس ليُظهِرَ أنّ التوبة ومغفرة الخطايا لن تتأخرا في عملهما، فحوَّل بذلك موتَ الخاطئ إلى شهادة. لم نعُدْ بعد اليوم نخجل من أنْ نأخذ هذا اللصَّ معلِّمًا لنا في التوبة والندامة وغفران الخطايا ودخول الملكوت. فالربُّ بذاته لم يخجلْ منه بل أدخله الفردوس والملكوت قبل الجميع. لقد اعترف هذا اللصُّ بالمسيح فندم وتاب على كلّ ما اقترفه من خطايا، وتجرّأ أن يطلب الغفرانَ والدخولَ إلى الملكوت مع أنَّه لصٌّ خاطئ، فوجد أنَّ أبوابَ الفردوسِ مفتوحةٌ أمامه.
حتى في آلامه التي جلبت الخلاص والملكوت للعالم كلِّه كان بين لصّين. واحدٌ رفض التوبة مُبقيًا ذاته في الشرّ، ناطقًا بكلماتِ التجديف، فخسر الملكوت. وآخَرٌ أخذ اتّجاهًا مُعاكسًا يستحقّ الطوبى، إذ آمن بيسوع وهو يذوقُ أمرَّ العذابات، منتهرًا صرخات اليهود العنيفة وتجديف من صُلِبَ معه. إعترف بذنبه “لأنّنا نلقى ما تستوجبه أعمالنا”، أعلن براءة المسيح “أمّا هذا الرجل فلم يفعل شيئًا سيّئًا”. وبّخ عجزَ اليهود عن حبّ الله، دانَ حكم بيلاطس، أعلن مجد يسوع، فنال بذلك الغفران واستحقّ الدخول إلى الملكوت.
لقد غفر له الربُّ سريعًا، لأنّ اللصَّ تاب وآمن بالمصلوب. طلبَ أنْ يذكرَه، أمَّا الربُّ فأجابه بفيض: “اليوم تكون معي في الفردوس”، لأنّ الحياة هي أن تكون مع المسيح، وحيث يكونُ المسيح يكونُ فردوسُه ويحلُّ ملكوتُه. ونحن أيضًا علينا أن نُدرِكَ أنّه بدون غفران لن نرى الملكوت. غفرانُ الرب لنا وغفران بعضنا لبعض.

4– ليتقدَّس اسمُك / أعطنا خبزنا كفاف يومنا

إنَّ كُلَّ الطِّلبَاتِ التي ذكرنا سابقًا، أيْ عدمَ الدخولِ في التجربةِ ومغفرةِ الخطايَا، هي روحيَّةٌ، فلا يمكنُ إذًا أنْ تكونَ هذه الطَِّلبَة، مَنحَ الخبزِ الجوهريّ، مادِّيَّة أيِ الخبزِ الذي يُؤكَلُ يوميًّا. إذًا، فهذا الخبزُ هو سماويّ.
يقول القديس أغسطينوس: “لماذا تسألون من أجل تقديس اسم الله؟ أنَّه قدُّوس، فلماذا تسألون القداسة لمن هو قدُّوس أصلاً؟ إنَّكم إذًا تسألونه ذلك وتطلبون، لأجل الله وليس لأجل صالحكم؟ لا، إفهموا هذا جيِّدًا، وهو إنَّكم تسألون هذا لأجل أنفسكم. إنَّكم تسألون من هو قدُّوس في ذاته دائمًا أن يكون مقدَّسًا فيكم”. فكلمة “ليتقدَّس” تعني أن يتقدَّس إسم الله فينا ولا يُحتقر. فما نطلبه هو لخيرنا، لأنَّنا إن احتقرنا إسمَ الله نصير نحن أشرارًا ويبقى الله قدّوسًا.
وفي نظر القديس كيرلّس، إنَّ الله ليس محتاجًا إلى مزيد من القداسة منا، إذْ هو كُليّ القداسة ومانح القداسة للخليقة. إنّ معنى “ليتقدس اسمك” في رأيه هو ليت اسمك يُحفظ مقدّسًا فينا، في أذهاننا وإرادتنا. وإنَّ من يُصلِّي قائلاً “ليتقدس اسمك”، فهو يطلب لنفسه ذهنًا مقدَّسًا وإيمانًا عميقًا، لكي يشعر بأنّ اسم الله مكرَّمٌ وقدُّوس. فالتقديس هو مصدر الحياة وسبب كل بركة.
يتقدَّس إسم الله فينا من خلال سرّ المعموديَّة. وما صلاتنا “للأبانا” وذكر هذه الطلبة بعد العماد إلاَّ لكي يبقى إسمُ الله مقدَّسًا فينا إلى الأبد. ولكن كيف يبقى إسم الله مقدَّسًا فينا بعد المعموديّة؟ إنَّ الربّ يسوع في ليلة آلامه أعطانا سرَّ الإفخارستيا، سرَّ القربان المقدَّس والخبزِ السماوي، لكي يبقى إسم أبيه مقدَّسًا فينا وبواسطتنا مع العلم أنّ اسمَه مقدَّسٌ منذ الأزل وإلى الأبد. ولهذا، يُصبح تقديسُ الإسم مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بِمنح الخبز الجوهري، أي القربان المقدَّس (سرّ الإفخارستيّا). وتأتي الإفخارستيا لتُتَوِّج المعموديّة فيبقى إسم الهي مقدَّسًا على الدوام.
إنَّ الخبزَ الجوهريَّ أو الخبز الشكراني، جسدَ المسيحِ ودمَهَ الإلهيين هو أسمى من المَنِّ الذي أكله اليهود في الصحراء وماتوا. أنّه الخبز الحيّ والمحيي الذي نزل من السماء ليقدِّس ويحيي من يتناوله ويعطيه الحياة الأبديّة. هو جسدُ المسيح ودمُهُ، تلك النعمة التي وهبها الله لنا بشخص ابنه الوحيد ربّنا يسوع المسيح في عشائه الأخير مع تلاميذه: “خذوا كُلوا هذا هو جسدي… خذوا اشربوا هذا هو دمي… إصنعوا هذا لذكري ” (راجع لو22: 14-20). لقد حددّت الكنيسةُ صلاةَ الأبانا في القدّاس الإلهي قبل وقتٍ قليلٍ من المناولة الإلهية لجسد المسيح ودمه. كما حدّدت أيضًا أن نصلّي صلاة أُخرى قبل المناولة مباشرةً: “أهلنا أيها الربّ الإله أنْ تتقدَّس أجسادنا بجسدك القدّوس وتتنقّى نفوسنا بدمك الغفور…”. كلُّ هذا يعني أنّ تناولَ جسد الربِّ ودمه يكفينا ويُحيينا ويقدِّسنا ويجعلنا على مثال الله مقدَّسين في الحق مرمِّمين صورة الله فينا بعد أن شوّهناها بخطايانا وأفعالنا السيّئة. إنَّ الله يتبارك ويتقدَّس في قدّيسيه، وكلّما اتّحد جسدنا الفاني بجسد المسيح الحي، زادت قداستنا وزادت قداسة الله فينا وتحقّقت صلاتُنا ونلنا الخلاص.

في الختام، إنّ صلاة الابانا ليست مجرد صلاة نرفعها إلى الله لكي ننال بواسطنها الخير والبركات. بل هي صلةٌ وتواصلٌ ودستورُ حياةٍ وجَبَ على كلِّ مصلِّيها أن يعيشوا مفاعيلها. فتحقيقُ المشيئة وعدم الدخول في التجربة تطالُ حياتي الذاتيّة والشخصيّة. أنْ أُحقِّق مشيئة الله بعدم وقوعي في التجربة لهو أمرٌ شخصيٌّ وذاتيٌ أبني به علاقةً مع ذاتي ملؤها الإحترام وتقديس الذات.
أمّا مجيءُ الملكوت ومغفرةُ الخطايا فتطالُ علاقتي مع الآخر مع أيِّ إنسانٍ قريبًا كان أم بعيدًا. أنْ أطلب دائمًا مجيء ملكوت الله في حياتي بمسامحة وغفران من خطئ إليّ لهو انطلاقةٌ نحو الآخر في علاقةٍ صحيحة ملؤها المحبة والتضحية والوفاء، أقدِّسُ بها الآخر وأدعوه إلى الخلاص.
وأخيرًا، إنَّ تقديسَ الإسم بتناول الخبزِ الجوهريّ تطالُ علاقتي مع الله بشكلٍ مباشر. أنْ اُقدِّسَ إسم الله في حياتي وكياني الإنساني بتناولي جسد الربِّ ودمه لهو غَوصٌ في علاقةٍ مع الله ملؤها الإيمانُ والورعُ والتقوى، أُقدِّسُ بها اسمه في كلّ ما وهبني من حكمةٍ وقامةٍ ونعمة، وفي كلّ وزنةٍ جاد بها عليّ.
وفي النهاية، إنّ صلاةَ الأبانا هي صلةٌ وتواصلٌ في أبعادٍ ثلاثة: صلةٌ مع الذات، وتواصلٌ مع الآخر، وحَجٌّ إلى الآب للغَوصِ في سرِّ تدبيره الخلاصي.
فيا أبانا الذي في السماوات، نحبُّك ونشكُرُك ونمجِّدُك من الآن وإلى الأبد آمين.