تأمل في إنجيل أحد آية شفاء الأعمى 2018
بين صرخة ابن طيما الأعمى: “يا ابن داوود ارحمني”، وسؤال يسوع له “ماذا تريد أن أصنع لك؟”، يُسمع “انتهارٌ” مؤلمٌ، صمُّ الآذانِ عن الأنين المُوجِع وفتحها، فقط، على الضجيج وهتافات الحناجر النحاسيّة، الساعية إلى خنق النداء، ووقف اللقاء.أمواجٌ من الناس منهم المرافقين والمتفرّجين، المترقّبين والمُسْتَزلمين، المُرائين وطالبيّ المعجزات… تزحم يسوع، تَسْمَع كلّ شيءٍ، عدا صوت القلب المتعطّش للشفاء: ما من أذُنٍ تُصغي إلاّ “هوْ”!
كلّ تلك الغوغاء لم تُثبت قوّتها ولا فِعْلها في هدم الثّقة بين الإبن المُعَوَّق وأبيه، وبين شوق طيما (الأعمى) إلى الشفاء ورغبة يسوع في تحقيق أمنية قلبه: أن تعود إليه الحياة التي، حتى تلك اللحظة، كانت تدور من حوله وهو ملقًى على هامشها… وبكلمةٍ واحدة من يسوع، “أدعوه”، صَمَتَ الكلّ وساد العجبُ. لقد تبدّل كلّ شيء! مرافقوه الّذين اعتقدوا أن المسيح هو خاصّتهم، ولهم وحدهم القرار في اختيار الأكثر استحقاقًا كي يقترب منه أو يطلب آية ورحمة، تحوّلوا إلى منفّذي أوامر! لم يدركوا بعد عمق سرّ المحبّة بعد، وما زالوا يجهلون متطلّبات الرسالة.
فمن يستطيع أن يسمع خفقان القلب ويشعر به إلاّ الحبيب؟
أما كان هذا ما يبحث عنه يسوع في الإنسان، فسمعه عند ذاك الساكن على قارعة الطريق؟
إنّه يبحث في أعماق القلب وأشواقه ويسأل: “ماذا تريد؟”
ألا يعلم بحاجاتنا الدفينة؟
إنّه الوحيد الذّي بمقدوره أن يكشف لنا المَسْتور والغامض من حاجاتنا. لكنَّ سؤاله، له من الأهميّة بمكان، لأنّه يوقظ فينا ما هو أبعد من المنظور. إنّه يدفعنا للغوص أكثر في أعماق النفس، كي نكتشف الرغبات التي ما زالت تقبع في الظلمة، وترفض أن ترى النور، فتبقى مختبئة تحت “عباءةِ” الخطيئة، إلى أن تغيّر هويّتنا شيئًا فشيئًا، ملتصقةً بنا التصاق الجلد بالجسد، مُعَوِّدةً إيّاها (أي النفس) على قبول قباحتها، فتتخلّى تدريجيًا، دون أن تدري، عن حريّتها وتفقد جناحيها. وبَدَل أن تترفّع عن الدنيويّات فتحلّق في فضاءٍ جميل، تبقى على “قارعة الطريق” ملازمة تراب الأرضِ وغبارها اللّزج، فيعلق بها ويُشَوّه وجه الخالق فيها، ويمتلىء أنفها “بروائح الأرجل” المارّة قربها وهي تلطمها يمنة ويُسرة.
أفلا نقبل التحدّي، ونقرّر تخطيّ الخوف من الخروج إلى نورهِ بكلّ رغباتنا، كي نعرّيها بحضوره؟
ألا نرغب في الحريّة الحقيقيّة، والشفاء الأكيد، والغفران؟
ألا نتوق إلى اكتشاف معنى وجودنا، وإشباعِ جوعنا إلى الحبّ؟ أن نُحِبَّ ونُحَبّ بتجرّدٍ، بعيدًا عن المصلحة الشخصيّة؟
ألا ننشد السعادة والحرّية، ونحلم بإطلاق الصوت عاليًا في صرخةِ فرحٍ مُدَوّية، وتسبحةِ شكرٍ للذّي خلق، واهبًا القلب للحبّْ، والفكر للفهم، واللسان للتعبير؟
لتكن لنا جرأة برطيما، بطلب الحريّة “إرحمني”، وجهوزيّته الفائقة “وَثَبَ”، وإيمانه بالانخراط في الحياة التي همَّشَتْهُ “أريد أن أُبصر” . لنُلقِ “عباءتنا” ونستعدَّ للإنطلاق أحرارًا بإيمانٍ وثقة، وإلاّ، تآكلَنا عَفَنُ العزلةِ، واختنقنا في زنزانةِ الإبتعادِ عن النور والحياة مع الآب بالإبن والروح.
من منّا ينزع عباءته كي يخفّ المسير نحو الآخر؟ من منّا يترك كرسيّه لِوَلدٍ صغير يرغب في الجلوس عليه ولو لثوانٍ؟ من منّا له في السلطة مكانًا ويستخدمه من أجل خير الآخرين بتجرّد؟…
كلنّا نتفاعل مع الكلمة والإحساس، ولكن الفعل يبقى في طيّ التناسي. كلّنا نتسابق في زرف الدّموع والتعبير عن مختلف المشاعر بكلماتٍ ليست إلاّ كلماتٍ ملوّنةٍ بالنبرات المُنتقاة من قاموس المظاهر، فتنزل كالمطرقة على أوتار النّفوس المتألّمة، المحتاجة إلى قلب “والد الإبن الضّال”، ويديه الحاضنتين دون كلامٍ كثير… من منّا يؤمن بأنّ عظمته تكمن في حرّية اختياره خدمة الآخرين بتواضع القلب والفرح؟
فلنأخذ استراحة ونوقف عقارب أنانيتنا أو “بروتوكول” منصبنا للحظات كي نسمع صراخ من هم بحاجة إلينا. وسوف نكتشف أنّنا نفسنا من هي بحاجةٍ لوقفة مع الذات وذات الله التي فينا. فلنزح رماد الفتور عن قلبنا لمرّة كي تتأجّج نار الحبّ التي داخلنا بالتّأكيد، فنتحوّل نحن إلى حياة عاكسةً فرحها وسلامها على الآخرين. فلتأخذ صمتنا إلى زاويةٍ من زوايا الخالق العظيم ونتأمّل في ما أعطانا من حبّ، فلنؤمن بقدرته التي يكنزها داخلنا وننطلق مع الأعمى المُجَدّد في طريق الرحمة والحقّ.
