رعيّة رشدبّين

قدّاس القربانة الأولى

السبت ٣٠ حزيران 2018
إحتفلت رعيّة مار سركيس وباخوس رشدبّين بقدّاس القربانة الأولى وذلك عند الساعة السادسة من مساء يوم السبت الواقع فيه ٣٠ حزيران ٢٠١٨ حيث ترأس خادم الرعيّة الخوري جبرائيل شعنين الذبيحة الإلهية والذي فيه تقدّم عشرون طفلاً من أطفال الرعيّة للمناولة الأولى بحضور أهلهم وأقربائهم والأصدقاء. بعد نهاية القدّاس، إنتقل الجميع إلى باحة الكنيسة حيث قطع الأطفال المُحتفى بهم قالب الحلوى بعد أن وُزِّعت عليهم الهدايا، واحتفل جميع الحضور بالمناسبة.

حقلٌ شاسعٌ

في جوار منزلي حقلٌ شاسعٌ، أرضه مخصبة ومياهه تنتظر أن تنساب حياة في ترابٍ أَسْمَعه يبكي في “وَحِيح الهشير” الأصفر حيث لا حياة ولا أخضر ولا ثمار! كلّ عناصر العطاء توفّرت فيه، لكنّ أحدًا لم يقلب التراب ويهيّأه، ولم يطمر فيه بذار الخير. فمِن أين تأتي الثّمار وتستمرّ الحياة؟
ما أجمله من حقلٍ بانت حبّات القمح فيه رؤوسها في كلّ مكانٍ، تتطلّع في كلّ إتّجاهٍ تبحث عن اليد الّتي سوف تغمرها لتنقلها إلى حيث تخلع عنها ثوب القشّ الهشّ، لتدخل مسيرة الإيمان إلى أن تصبح خبزًا جوهريًّا على مائدة الربّ المقدّسة.كما في الماضي كذلك اليوم. لم يتغيّر المشهد ولم تتبدّل المعادلة ولا الحاجة الحقيقية للإنسان. ما زالت هناك نفوس مشتتّة وأخرى بائسة أو يائسة، نفوس تبحث وغيرها تتألّم من مرضٍ يأسرها ويرميها في الضياع. كلّها تبحث عن الراحة وسلام القلب. كلّها عطشى للشفاء وهي لا تدري أنّ الطبيب الشافي هو واحدٌ أحد لا سواه، إنّه يسوع.
أمّا هو فيعرف تمامًا ما الّذي زرعه فيها، ويعرف كم تحمل من الخير داخلها. وكم تتوق إلى التعرّف إليه والدخول معه في علاقة حبٍ عميقة فيها تستريح.
لكن من هي اليد الّتي سوف تغمر تلك النفوس لتأتي بها إلى يسوع؟ أليست كنيستنا هي “كنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسوليّة”؟ أليس كلٌ منّا مدعوًّا، بمعموديّته وإتّحاده بجسد المسيح السرّيّ، لأن يكون رسولاً، مثبّتًا بنعمة الروح القدس؟
ليس المطلوب منّا أن نَعِظهم ونروي لهم أحداث الإنجيل، فلربّما كثيرًا ما سمعوها، وخاصّة المسيحيين الغير ممارسين، لكنّها لا تعني لهم شيئًا، لأنّهم لم يلمسوها في حياتهم ولا في حياة من الآخرين.

المسؤوليّة كبيرة جدًا ولكن جمالها يفوق صعوبتها بكثير.
أن تكون رسول المسيح، يعني أن تضحك مع النفوس البائسة حين يضحكون، أن تعمل معهم حين يعملون، أن تأكل معهم وتركض وتبكي معهم حين يبكون. أن تمدّ يدك لمساعدتهم حين يحتاجونك وتقدّم لهم ممّا عندك بحبٍّ مجّاني وتشعرهم بالثقة، أفلست بذلك تأخذ بيدهم وقلبهم وفكرهم إلى المسيح دون “فصاحة” وتكون الرسول؟
الفاعل إذًا هو الشجاع الّذي يتخطّى حدود ذاته إلى حيث اللاحدود، عاملاً بالحبّ، متّشحًا بالتواضع، مملؤًا بالحنان، سالكًا بالفضيلة، محتضنًا كلّ من يبحث عن صدرٍ يسند إليه رأسه، متسلّحًا بالصبر والرحمة كما الربّ هو صبورٌ ورحوم.
أن تكون رسولاً للمسيح يعني أن تتعرّف على نفسك في كماله، أن تغوص في عمق أسراره حتى تصبح مدمنًا عليه، وتعشق حتى الموت أصغر تفاصيله. أن تكون رسولاً للمسيح يعني أن تكون إنسانًا عاشق. انسان يعيش في عالمه الخاص، ذلك العالم البعيد كل البعد والقريب كل القرب من منطق، من خيال، من مثاليّة. منطق، خيال ومثاليّة تختلف أبعادها الكامنة في عيونك عن تلك المترسخة في عقول الأخرين.
أن تكون رسولاً للمسيح يعني أن تكون ذلك الانسان الغارق في بحر السعادة، مغمورًا بذراعي الكمال. يعني أن تُدرك أنك أجمل ما خلقه الله على هذه الأرض. يعني أن تغوص في أعماق مَن كانت الكتابة عنه فخاً لذيذ، فمهما كانت الكلمات عظيمة، تبقى عاجزةً أن تعطيه حقَه الفعليّ من الوصف.
أن تكون رسولاً للمسيح يعني أن تنظر في أعين النفوس الباحثة وتنقل لها شرارة الحبّ الإلهي اللامتناهي، فتغمر تلك الشرارة قلبها لتستفيق من غيبوبتها المميتة. يعني أن تمسك يداً ترتجف لتنقل إليها دفئ الآب الحنون فيتغلغل ذلك الدفء في جسدها المتجمد في صقيع الروح. و عندها ستتذوّق طعم السعادة الحقيقية الناتجة عن عطائك المجّانيّ.

فيا ربي وإلهي، يا أبي السَّماوي القدير واللامائت، يا ربّ الحصاد الَّذي يفرح بخلاص الجميع، الحصادُ كثير والحصّادون قليلون. يا قلب يسوع الأقدس المضطرم حُبًّا لأبنائك، نطلبُ إليك مُتّضعين أن تُزيد في جميع أنحاء المعمورة، عدد الأتقياء الغُيُرِ من الرُسل، فحيثُ الجيفة إبعث النسور. رغِّب ذوي القلوب السخية الطاهرة في وقف أنفسِهم على خِدمتكَ المُقدّسة، وآتهم عونًا فيحل عليهم الروح القدس ويشعل نار محبتك الخالدة بقلوبهم فتعطيهم قوةً بحيث لا تحُول دون رغبتهم عوائقُ العالم والشيطان؛ واجعَلهم من الثابتين على تلك الدعوة السامية إلى الممات. آمين.

جاكي جوزيف ضوميط

مجابهةِ بغير سلاحٍ

عند قراءتي لهذا النّص، شعرتُ وكأنّني أمام قائدٍ يحثّ جنوده على المجابهةِ بغير سلاحٍ، وبطريقةٍ لم نَعْتدْ على استعمالها في الحروب التقليديّة، بل تِبْعَ خُطّةٍ لا تشبه أيًّا من تلك الخطط الّتي عرفناها.
إنّك تشعر بغرابة توصيات هذا القائد، كيف يوصي جنوده، بمواجهة عدوّهم الشرس (الذئاب)، بوداعة الحملان. لا بل أكثر من ذلك، يوصيهم بأن يكون لهم لطف الحَمام وعذوبته.
فماذا تنفع وداعتهم أمام أنياب الذئاب الكاسرة، المتربّصة بهم شرًّا، كي تمزّق أجسادهم، وتدمي أرجلهم الحافية؟
هل كان هدفه أن يُسْحَق تلاميذه أمام أعدائه، دون الدفاع عن النفس، على الأقلّ؟
هذا القائد الحازم، على وداعته، الحكيم على بساطته، القويّ على عذوبته ولطفه، لم يُرِد مطلقًا أن يتخلّوا عن مهمّتهم خوفًا، (رسالتهم) أو يستسلموا يأسًا، ولكن أن يصبروا كي يحوّلوا تلك الذئاب إلى خرافٍ تعود معهم إلى حظيرة الخلاص، بتـظهير نتائج كلّ شّرهم للنور، فيرتاعوا لرؤية بشاعتهم ، ويخجلوا من لطف الله في من يحاولون قتل الروح منهم أو الجسد.
أراد أن يكشف لهم أنّ سموّ الرّسالةِ يكمن في تحويل قلب العدوِّ وروحه إلى إنسانٍ جديد، يؤمن بالحبّ اللامحدود، بالله، لا في سلبه حياته. أرادهم أن يدركوا، على قِلَّتِهِم، أنّ الحبّ والوداعة والحكمة، هي أقوى من جحافل الأعداء بكلّ عدّتها وعديدها! وكانت النتيجة أنّهم فرشوا جهات الأرض الأربع بالسلام، وفرح الخلاص بيسوع المسيح.
اليوم، ألا نخجل، نحن الّذين أصبحنا على شاكلة الذئاب، نواجه، ونستشرس، ونُكشِّرُ غالبّا عن أنيابنا أمام أعدائنا؟ أين ذاك الحمل الّذي وضعه الله في داخلنا، بإفخارستيّا ابنه الحبيب؟ أين روح الحكمةِ الّتي أفاضها فينا، يوم دخلنا الحياة الجديدة، بالعماد؟
هل فكّرنا يومًا كيف أنّ تلاميذًا بسطاء، مرابين، فقراء، أو، منهم من لا يعرف حتّى “فَكَّ الحَرفْ” …. وُهِبوا القدرة على الشفاء وإقامة الموتى، ومجابهة الحكّام ، وكيف أنّ الروح نطق فيهم أمام القضاة والشيوخ؟ كيف أنّهم بثباتهم على الإيمان، وحكمتهم، وشجاعتهم، شَهِدوا حتّى الموت، من أجل المسيح، الربح الأكبر، فهزّوا العروش، وأصغى لهم ملوك الأرض وأباطرتها… ونحن؟ كم منّا، المتعلّم، والمثقّف، و”المؤمن بتحفّظ”، لا يعْرِف من المسيح إلاّ اسمه، ولا من المسيحيّة إلاّ مظاهر الإحتفالات الدينيّة، والممارسات الطقسيّة، وواجب حضور قدّاس الأحد (يا ليته يكون فعلُ مشاركة)، رافعين الصوت مُصرّين على التّغنّي بمسيحيّتنا؟
هم جابوا الأرض من أجل البشارة، صابرين على الألم، محتملين الضيق والمشقّات. ونحن؟ ألا نجوب العالم هَرَبّا من… مُتَناسين أنّ الله قد زرعنا في هذه الأرض كي نزهر، ونثمر فيها، لا لكي نقتلع أنفسنا، إلى حقولٍ تربتها ليست بخصبة، ولا غذاؤها بمُفيد، ولا هواؤها بنَقيّ؟ من منّا يلوذ بالصبر عند الضيق؟ أو يحتمل مشقّةً من أجل البقاء على الإيمان والمحافظة على مسيحيّته الحقيقيّة، لا الصُوَرِيّة؟
هم وثِقوا بالمسيح وآمنوا بالرسالة : “ها أنا أرسلكم” (آ: 16)، فكانت لهم قدرة المعلّم الّذي أرسلهم، وأُعطوا التّعزية، والشجاعة ألاّ يهابوا شيئًا في انطلاقتهم نحو البشارة. لقد أدركوا أنّ “النعمة تكفيهم”، وأنّ تجلّي قدرة الآب في عملهم وإشعاع الفضائل في حياة الإنسان، هما في تكاملٍ لا مثيل له!… ونحن؟ هل تأمّلنا يومًا بهذا السلطان المُعطى لكلٍّ منّا؟ هل انتبهنا أنّ تلك القدرة، وتلك الفضائل كلّها، هي كائنةٌ فينا؟ ولكن، ماذا فعلنا بها؟ أو لماذا لم نوقظها بعدُ، وما زلنا نكبّلها بجهلنا لدورنا كأبناء لله، أو بالخوف أو بالأنانيّة؟ هل نؤمن أنّ لنا بها الغلبة لا محالة، مهما كثُرَت الذئاب؟ هل نؤمن بأنّ الله وثق بنا، فاختارنا للبشارة؟ نعم! لقد اختار كلاً منّا… أنت! من تقرأني، لقد اختارك الآب لرسالةِ الخلاص لأنّه أحبّك، ووثق بك، وأنت لم تنتبه أنّه يحمل مفتاح ذاتك بين يديه: إنّك المعنيُّ مباشرة… كيف؟
بادله الثّقة بتواضعك؛ وكن دائم الجهوزيّة للدخول إلى أعماق ذاتك، فتطهّر قلبك بتخلّيك عن كلّ تعلّقٍ خارج المسيح، سبب ابتعادك عنه، وهجرك لذاتك المخلوقة على صورة الله ومثاله. كن شاكرًا لسُموِّ صداقته لك وجمالها. كن شاكرًا لاختياره إيّاك عاملاً مسؤولاً في حقل البشارة (أيًّا تكن، ومن حيث أنت). كن سخيًّا في عملك دون خوفٍ من فقدان الصغائر، من أجل الربح الأكبر.
لقد أحبّك حتّى الثمالة، ورفعك، كي تليق بك السماء فابتهجِ الآن وانطلق، من ذاتك أوّلاً، مؤمنًا واثقا، لأنّه قد فعل وأرسلك…
جاكي جوزيف ضوميط

في التوبة قوّة

أيّها الغنيّ المُطلَقْ، المكتفي بذاتكَ… رغم أنّك في غِنىً عن أيّ مخلوق أو كائنٍ سواك، أعطيت سلطانك، بشخص ابنك المتجسّد وروحك القدّوس، إلى الرُّسلِ الإثنيّ عشر، كي “يطردون به الأرواح النجسة، ويشفون النّاس من كلّ علّة ومرض وداء” (مت 10: 1): إنّك “المحبّة المُطلَقة”.

بين بطرس ويهوذا، في تأمّلي لأسماء الرّسل، كما ورد في هذا النّص، لفتني أوّلها: سمعان بطرس، “الصخرة الّتي عليها بنى يسوع بيعته”، قد نكره ثلاثًا عند المحكّ. وآخر الأسماء في السرد هو يهوذا الإسخريوطيّ الّذي أسلمه. أمّا الباقون فلقد فرّوا، تاركين حبيبهم يسوع وحده يواجه الإتّهامات فالآلام فالموت. واحدٌ لم يبقَ في ساحةِ الصّلب، حيث معركة الإنتقام الأحاديّة، سوى يوحنّا!

مذابحنا: أليس مِن المُستغرَب ألاّ نرى ذلك غالبًا في أنفسنا؟ ربّما لأنّنا لا نجرؤ على تقليب صفحات أيّامنا، على ضوء المسيح ونور الإيمان به، فنخاف أن نكتشف أنّنا أناس عاقّون، نصنع الشّر، نعتدُّ بأنفسنا، وننسب نجاحاتنا لمقدرتنا الشخصيّةِ واهمين، غير مدركين أنّ المقدرة الّتي لنا، والذكاء والخيرات هي مِن خَلْقِ الله وكَرَمِه علينا؟!
ربّما لا ننتبه غالبًا إلى فعلتنا في إنكارِ الله حتّى ولو عن غير قصد؛ فكلّما زادَت خيراتنا، نُكثر من مذابح عباداتها وننوّع في آلهتها، فنقيم أوّل المذابح للذات. وبدل عبادة الله الخالق والمعطي، يضيع القلب بين كلّ تلك الآلهة، فينقسم ويتشتّت، حائرًا في إرضاء هذا أو ذاك… لقد حان وقت قلبِ طاولات المذابح وتكسيرها دون خوف. ها هو زمن التوبة، والرجوع عن المعصية؛ فها إنّ الحبيب ينتظرتسليمنا سلطانه. فلنقبل إليه.

التّوبة قوّة: إيمان بطرس والتلاميذ بمغفرة يسوع لهم جعلهم يلجأون إلى التوبة، فاكتشفوا أن تلك القوّة والشجاعة في الإقرار، ليْسَتا من عندهم، بل من عند الله الّذي حلّ فيهم بروحه. وبالإيمان استطاعوا أن يضعوا ضعفهم في النور، فرأوا جليّا مِن أين عليهم أن يمسكوا، ويتمسّكوا بركن النجاة الّذي لا يتزعزع. بينما ضاع يهوذا في الموتِ لقلّة إيمانه بمغفرة يسوع لفعلته.

الفرح في الضيق: هل نعرف أنّ الملكوت لا يُشرى بل يُغتَصب، رغم أن الله لا يَغْصِب أحدًا على دخوله؟! فكيف ذلك إذًا، والإنسان ضعيف؟!
في اختيار يسوع لتلاميذه هناك تجلٍّ لعملِ الله. لقد اختار أناسًا عادييّن، بُسطاء. لقد اختارهم ليس لما كانو عليه، بل لما سيصبحون عليه من قوّة وقدرة، بنعمته وقدرته. وهذاما يجعلنا نفرح، لأنّ يسوع قال:” لم أدعُ الأبرار بل الخطأة”. فعندما يدعونا الله كي نخدم، وهو العارف بخطيئتنا، فلنفرح ولنلبّي الدّعوة، دون التظاهر بالتواضع مُدَمْدمين”ليس لديّ ما أقدّمه له”. إنّه جابلنا، وفاحص كِلانا، لذلك يقبل ما لدينا مهما كان صغيرًا، من أجل بناء الملكوت.

صلاة: يا أبي، أعطني أن أعترف، بصدقٍ وشفافية، بضعفي، كي لا أقع فريسة التباهي والتفاخر بأعملي وما تأتي به من ثمار. جنّبني خطر تأليه الّذات وعبادة عطاياك. ها إنّي أضع ذاتي وكلّ ما لدي، على صغره، بين يديك، كي تجعله آية ً قدسية، من أجلِ تمجيد اسمك القدّوس، آمين.

جاكي جوزيف ضوميط

المرحوم يوسف الياس ديب

الأحد ١٠ حزيران ٢٠١٨
إنتقل إلى الملكوت السماوي يوسف الياس ديب يوم الأحد ١٠ حزيران ٢٠١٨. وفي اليوم التالي، أُقيمت الصلاة لراحة نفسه عند الساعة الخامسة من بعد الظهر في كنيسة القديسَين سركيس وباخوس الرعائية في رشدبين، ودُفن في مدفن العائلة الخاص.

المرحومة المازه حنا طنوس زوجة يوسف ضوميط شليطا

الخميس ٧ حزيران ٢٠١٨
إنتقلت إلى الملكوت السماوي المازه حنا طنوس زوجة يوسف ضوميط شليطا يوم الخميس ٧ حزيران ٢٠١٨. أُقيمت الصلاة لراحة نفسها عند الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الجمعة ٨ حزيران ٢٠١٨ في كنيسة القديسَين سركيس وباخوس الرعائية في رشدبين، ودُفنت في مدفن الرعيّة العمومي.

علّمني طرُقكَ

علّمني كيف تنظُر إلى البشَر مثلما رمقتَ بطرس بعد إنكاره مثلما ولجتَ إلى قلب الشاب الغنيّ وقلوبِ تلاميذك
أودُّ أن ألتقي بك على حقيقتك لأنَّ صورة وجهكَ تُغيّر من دنوتَ منهُ
أتذكُر لقاءكَ الأوّل مع يوحنا المعمدان؟
إحساس قائد المئة بعدم الاستحقاق؟
دهشة كل من رأى معجزاتك وأعاجيبك؟
كيف أثَّرتَ بتلاميذك بالحشود في بستان الزيتون بيبلاطس وزوجته بقائد المئة عند أقدام صليبك أودُّ أن أسمعك و أُتطبّعَ بكَ
بأسلوب كلامِكَ أسمعكَ وأنتَ تعظ في مجمع كفرناحوم وأنت تعظ على الجبل، حيث عرف من تبعك ” أنّك تعلّم كمن له سلطان”.
علّمني كيف أصبح “إبن بَيّي”
علمني أن أطبع على وجهي أحرف هويّتك فيشعّ كل حرف وحرف وأُدعى حينها بنت أبي.
إزرع كلمتك في أعماق قلبي ودع جذورها تتغلغل في تربته وليسقي نبع حنانك الجفاف المختبئ خلف ظلال عصياني
صادفت وتعرّفت على أُناس عدة، فعرفتهم إبناء مَن يكونوا، مِن خلال طريقة كلامهم وتفكيرهم وتصرّفاتهم
هكذا أيضًا، إطبعني ربّي أنا الذي أدعو نفسي بالإنسان المؤمن، بصورتك يا أبي السماوي ومثالك، فيعرفني كل من يلتقي بي إبن من أكون، فعلّمني أن أعيش إذًا هذا الحبّ
علّمني أن أكثر ما يفرح قلبك هو طاعتي لك وسلوكي الطريق الّذي ترشدني إليه.
فأيها الآب السماوي، أنت الذي دون أن تسألنا أيّ مقابل أحببتنا حتّى أنّك جدت بإبنك الوحيد من أجلي. أنت الّذي عاش الحبّ حتّى الصليب، كي أفهم أنّ أعظم ما يمكن أن يُبلور الصورة والمثال اللّتان شوّهتهما الأنا والخطيئة، وأكثر ما يعيد لهما بريقهما، هو الحبّ وليس سواه، وصيّة الوصايا التي تركها لي يسوع قبل صعوده إلى السماء.
أنت الذي حبك هو فعلٌ وليس عمل، أعني أنّه إنعكاس فرحك فيي عند قيامي بك، هو تحرّرٌ من الأنا بفعله بكلّ مجّانيّة، وهو، إن تمّ، يكون حاويًا جميع الوصايا الأخرى: إن كان لي هذا الحبّ، أكون قد صرت في المسيح، فأحبّ ربّي بكل قلبي وعقلي وروحي، يموت الشرّ داخلي ولا أعد أقوى على فعله كالقتل والزنى وإشتهاء مقتنى الغير…
هكذا تكون الوصايا جميعها قد تمّت في أمانتي لهذا الحبّ المقدّس.
إزرع في روحي أقانيمك الثلاثة. ثلاثة أقانيم في إله واحد، الآب والإبن والروح القدس، وحدة متناغمة في حبّ لا ينتهي، أبدي، وعطاءٍ حدوده اللانهاية. على صورة هذا الحبّ الثالوثي يُبنى كلّ حبٍّ.
علّمني أن أحبّك في كل فعل حب في حياتي. فمن يكتنفه حبّ الله لا يصبو إلى شيء آخر ولا يسعى إلى ربح أو مكافأة، ولا يأمل إلاّ بأن يخسر كلّ شيء حتّى نفسه إراديًّا وذلك حبًّا بربّه؛ فهذا في عينيه هو المكسب الحقيقي.
إفتح لي أبواب قلبي يا واهب الحياة، لأن روحي تبتكر إلى هيكل قدسك آتياً بهيكل جسدي مدنّساً بجملته. روحي عطشى إلى الرقص على ألحان الفرح، ومن يرويها غير حبك اللامتناهي؟ ها هي الآن تنشر الأحرف على بياض صفحتها، لعلها بالقليل من ما لديها، تشرح لك الكثير الكامن في داخلها. الكثير من الشوق والتعب والعبئ والحزن. فاروها يا ربي، وعلّمني طرقك.
جاكي جوزيف ضوميط

! إختر الحياة

أيّتها القيامة المجيدة، تحمّلتِ مسؤوليّة فعل الثالوث بأكملها بمسيرةٍ كاملة، منذ حلول الكلمة في حشا البتول حتّى آخر صرخةٍ من على الصليب، وبك إتّخذت الحياةُ شكلاً جديدًا ملؤه الحبّ، حبًّا إلهيًّا أزليًّا غافرًا واهبًا الخلاص للإنسان، حبًّا أشركنا في عمق حياة الثالوث.
في قلب هذه الحياة بدأ يتفتّح إنسانُنا الجديد مع مجد يسوع القائم من بين الأموات، وحنان الآب، تحت مظلّة الروح القدس، في قلب السماء، في الله بذاته.وأنتَ أيّها الصعود المبارك، كشفت لنا أمانة الله المطلقة في وعده لنا، لتاريخنا الجديد، لجسدنا الّذي سيقوم ويُمَجَّد. بصعودك أيّها المسيح فتحت بصيرتنا على أن الله خلق الإنسانَ من أجل الحياة الأبديّة معه. خلقه بجسدِ آدم الترابيّ، حتّى إذا ما عبر، إتّخذ جسدًا نورانيًّا جديدًا ممجَّدًا، يتقاسم معه حياته القدسيّة، فتتوضّح صورة علّة وجودنا هذه وتعطي معنىً جديدًا لحياتنا.

أعود لأتأمّل في مسيرتنا نحن، أقصيرة كانت أم لا، ألا تتفتّح فيها إرادتنا الحرّة وتكبر؟ هذه الهبة الثمينة، كم نحافظ عليها؟ هل نقبل أن تكون إرادة مقدّسة تنبع من قبولنا لله بثالوثه في الحياة؟ هل تقبل إرادتُنا التنازلَ أحيانًا عن رغبتها العارمة في السوء أو الشّرّ قبل أن تودي بنا إلى الهاوية؟ بإختصار شديد، هل نرجو السماء في حاضرنا؟
إنّ سماءنا ما هي إلاّ المسيح بذاته الحاضر في أعماقنا، هو هذه الإرادة الخيّرة الّتي يحملها على الدوام كلّ إنسان.

فيا أيّها السبيل الأوحد لإكتمالنا البشريّ ومنبع كلّ إمتلاء، أنت يا من قدّمت لنا ذاتك بكلّيتها كي تجعلنا شبيهين بك بالكمال، ما من أحدٍ إلاّ ودعوته للإتّحاد بك، وكشفت له أنّ كلّ رغبةِ حياة حقيقيّة تُستجاب حين يتقاسم مع ثالوثك نعمة حياتك حيث يتذوّق طعم السّماء بالإيمان.

إجعل حياتنا تفيض بهذه النِعَم على كلّ من حولنا، إجعلنا ننفتح على كلّ الآخر بعلاقة قياميّة مُحيية بك وبأبيك وبروحك. إجعلنا نفتكر دومًا ما قلته لنا يوم دعوتنا: “إن كنت تريد أن تحيا، فإختر الحياة”، أي الحبّ في أقانيمه الثلاثة.
ربي وإلهي … أبي السماوي، يا مَن عملت وما زلت تعمل من أجل خلاص الجميع بمغفرة خطاياهم بإبنك الحبيب مِن خلال نشر هذه البشرى السارة فالإيمان به ونَيْلها، أشكرك.
ربي وإلهي … الإبن الحبيب، أشكرك على مَن إخترت ليكون تلميذًا لك، إخترته وعلّمته كيف يربط القديم بالجديد ليعْلَم الإنسان أن أباك السماوي قد أحبه منذ البدء حبًّا رهيبًا.
ربي وإلهي … الروح القدس، أشكرك على المحبة التي أشعلتها بنارك في قلب تلاميذ الإبن الحبيب، محبة غيورة لإسم الله القدّوس وبالتالي لمَن خلق، محبة تثق بما تسمع وتعمل على طاعة الكلمة.
ربي وإلهي … أرجو ألا تكون معموديتي هي مجرد طقوس إحتفل بها والديّ، وإنما غسلاً مستمرًا لقلبي الحجر ليلين ويُقابل محبتك بمحبة حقيقية، كم أنا بحاجة لمَن يُشوقني إلى لقياك ويدعوني إلى مشاركة فرحك السماوي، كم أنا بحاجة لمَن يقول لي بأنك أحببتني وأنت عالمٌ بأنني سبب آلامك، كم أنا بحاجة الآن لأزيل عدم المحبة من قلبي لمِن أساء إليّ وكان سببًا في تعاستي بالمغفرة له كما فعلت معي فيمتلأ قلبي بالفرح.
ربي وإلهي … كثيرون لم يفهموا بعد المحبة الأبوية “منك للإنسان”، والمحبة البنوية “مِن الإنسان المؤمن لك” والشركة المتبادلة بينكما وفيما بينهم أيضًا، وأنا إحداهم، فأرجو أن تفتح أذهاننا وترشدنا من خلال تلاميذ أكفاء مُقادين بروحك القدّوس فإن الحصاد كثير والحصادون قليلون، ولك الشكر على الدوام، آمين.

جاكي جوزيف ضوميط

المرحومة سعاد (مرّون) أنطونيوس دانيال الشويفاتي أرملة المرحوم جرجس حنّا إسحق

الأحد ٦ أيّار ٢٠١٨
إنتقلت إلى الملكوت السماوي سعاد (مرّون) أنطونيوس دانيال الشويفاتي أرملة المرحوم جرجس حنّا إسحق صباح يوم الأحد ٦ أيّار ٢٠١٨. أُقيمت الصلاة لراحة نفسها عند الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الإثنين ٧ أيّار ٢٠١٨ في كنيسة القديسَين سركيس وباخوس الرعائية في رشدبين، ودُفنت في مدفن الرعيّة العمومي.

ظهور الرّب الثالث للتلاميذ

هو ظهور الرّب الثالث للتلاميذ، وهذه المرّة على شاطئ بحيرة طبريّة، مكان اللّقاء الأوّل والدعوة الأولى.  عاد الى حيث جعلهم تلاميذ منذ ثلاث سنين، عاد ليعيدهم الى حقيقة التتلمذ له، ليدخلهم من جديد، رغم خيانتهم وشكّهم ونكرانهم، الى حالة الصداقة معه والى المصالحة مع الله الآب.
على ضفاف تلك البحيرة كانت خواتم اللقاءات الحسّية مع يسوع القائم من بين الأموات. على ذلك الشّاطئ تَكشَّفَت صورة الحبّ الّذي لا يُروى في القصص ولا يُصَوَّر في الأحلام، بل ذاك الّذي لا يموت في النّفوس النّابضة بالحياة، فيتعرّف، مهما كانت الأحوال، على مانحه.في تلك النّاحية، إختلجت القلوب من جديد أمام الهويّة المُستعادة، بعد موت الحبيب. هؤلاء الرجال الصيّادين، وبعد أن تبخّرت أحلامهم ، وأُحبِطت عزيمتهم وثقلَت أذرعهم للعمل مجدّدًا في جمع الأسماك، إضطربت قلوبهم في تلك اللحظات، وكُشِفت لهم الأوقات الصّعبة الّتي زلّوا فيها عند رؤية محنة السيّد والمعلّم يتألّم، وخافوا فهربوا، وشكّوا فطلبوا الدّليل كتوما، ونكروا فتألّموا وبكوا خطيئتهم، أعني بطرس الّذي ما إن تعرّف إلى يسوع عند البحيرة حتّى أيقظت فعلته النّدم والخجل فألقى بنفسه في الماء متَّزرًا بثوبه، ساترًا عريه، على عكس منطق الّذي ينزل إلى الماء، مذكّرًا إيّانا بآدم وحوّاء يوم كشف الله لهما شرّ فعلتهما، فتبيّن لهما عريهما للمرّة الأولى، وشعرا بالخجل والحرج لأنانيّتهما ولِنكرانهما الحبّ الّذي كلّلهما به الخالق… فهل كان لبطرس الشّعور إيّاه؟
هناك وفي ذاك الصّباح، بدا يسوع مختلفًا. في هالةٍ من الصّمت الجديد المُزدان بالقليل من الكلمات، إقترب من تلاميذه. بحركةٍ واحدة وصوتٍ ينسكب كالعشق في النفس الولهانة، “أخذ الخبز وناولهم”. دون قيدٍ وشرط أو كلمات ذكّرهم بإعطائهم ذاته قوتًا حيًّا. أعطاهم الحبّ الكامل بالكامل.

ربّما الصرخات انحبست في أفئدة التلاميذ يومها لأنّ الفرح كان أعظم من دويّ الحناجر. فقط تردّدت كلمتان على ألسنة الأحبّة منذ القيامة:”ربّي وإلهي”، “رابّوني”، “هذا هو الرّب”. باختصارٍ كلٌّ صَرَخَ بصمتٍ في قلبه المتأجّج: “هذا أنت ! أنت الحبيب الرّب!”.
كلّ تلميذ منهم كان يأمل أن تطول لحظات التقاء يسوع الرّائعةِ، تلك الهاربة نحو السّماء من محسوس الأرض إلى عيش الكلمةِ في عالم عطشٍ للحبّ والسّلام وما زال… الوقت حان للرحيل والرّسالة ليست مسامرة عند طلوع الفجر ولا جلسة حميميّة مع أصدقاء فقط، إنّما هي ارتشاف نور الحياة من شمس صّباح الألوهة، وزوّادة إفخارستيّا لمسيرةٍ نحو أعماق بحار العالم حيث الشّعوب على اختلافها كسمك البحر، تنتظر شبكةً لا تتمزّقَ كي تنتشلها من غمار أمواج “الأقوى بقوة ذراعه ونفوذه وماله وحيلته” إلى برّ الأمان والخلاص.

ومن تراه يجذب تلك الشبكة من جديد؟ بطرس المندفع! بطرس الّذي فيك وفيَّ، بطرس الّذي يسمع بنا الحبيب يهمس بنفحةٍ حزينةٍ لمرّاتٍ ثلاث وأربع وأكثر:” …، أتحبّني؟”. فأيّ ملك تراه يسأل (“أتحبّني؟”) بعيدًا عن لغة الدساتير وأفعال الأمر: “أحببني وإلاّ…!”؟ بالمقابل ما هو جوابنا له؟
عساه أن يكون مثل بطرس أيضًا: “أحبّك”، “يا ربّ، أنت تعرف كلّ شيء، وأنت تعرف إنّي أحبّك”. جوابه كشف له الذات الضعيفة، وجعله يقرَّ بقدرة الحبيب على سبر غور النّفس ومعرفتها.
اليوم يدعونا يسوع أكثر من أيّ وقتٍ مضى إلى مسيرة حبّ أبديّة، فما من حياةٍ تستطيع الإجابة بالمطلق على سؤال يسوع لكلٍّ منّا: “أتحبّني؟”.

جاكي جوزيف ضوميط