رعيّة رشدبّين

في التوبة قوّة

أيّها الغنيّ المُطلَقْ، المكتفي بذاتكَ… رغم أنّك في غِنىً عن أيّ مخلوق أو كائنٍ سواك، أعطيت سلطانك، بشخص ابنك المتجسّد وروحك القدّوس، إلى الرُّسلِ الإثنيّ عشر، كي “يطردون به الأرواح النجسة، ويشفون النّاس من كلّ علّة ومرض وداء” (مت 10: 1): إنّك “المحبّة المُطلَقة”.

بين بطرس ويهوذا، في تأمّلي لأسماء الرّسل، كما ورد في هذا النّص، لفتني أوّلها: سمعان بطرس، “الصخرة الّتي عليها بنى يسوع بيعته”، قد نكره ثلاثًا عند المحكّ. وآخر الأسماء في السرد هو يهوذا الإسخريوطيّ الّذي أسلمه. أمّا الباقون فلقد فرّوا، تاركين حبيبهم يسوع وحده يواجه الإتّهامات فالآلام فالموت. واحدٌ لم يبقَ في ساحةِ الصّلب، حيث معركة الإنتقام الأحاديّة، سوى يوحنّا!

مذابحنا: أليس مِن المُستغرَب ألاّ نرى ذلك غالبًا في أنفسنا؟ ربّما لأنّنا لا نجرؤ على تقليب صفحات أيّامنا، على ضوء المسيح ونور الإيمان به، فنخاف أن نكتشف أنّنا أناس عاقّون، نصنع الشّر، نعتدُّ بأنفسنا، وننسب نجاحاتنا لمقدرتنا الشخصيّةِ واهمين، غير مدركين أنّ المقدرة الّتي لنا، والذكاء والخيرات هي مِن خَلْقِ الله وكَرَمِه علينا؟!
ربّما لا ننتبه غالبًا إلى فعلتنا في إنكارِ الله حتّى ولو عن غير قصد؛ فكلّما زادَت خيراتنا، نُكثر من مذابح عباداتها وننوّع في آلهتها، فنقيم أوّل المذابح للذات. وبدل عبادة الله الخالق والمعطي، يضيع القلب بين كلّ تلك الآلهة، فينقسم ويتشتّت، حائرًا في إرضاء هذا أو ذاك… لقد حان وقت قلبِ طاولات المذابح وتكسيرها دون خوف. ها هو زمن التوبة، والرجوع عن المعصية؛ فها إنّ الحبيب ينتظرتسليمنا سلطانه. فلنقبل إليه.

التّوبة قوّة: إيمان بطرس والتلاميذ بمغفرة يسوع لهم جعلهم يلجأون إلى التوبة، فاكتشفوا أن تلك القوّة والشجاعة في الإقرار، ليْسَتا من عندهم، بل من عند الله الّذي حلّ فيهم بروحه. وبالإيمان استطاعوا أن يضعوا ضعفهم في النور، فرأوا جليّا مِن أين عليهم أن يمسكوا، ويتمسّكوا بركن النجاة الّذي لا يتزعزع. بينما ضاع يهوذا في الموتِ لقلّة إيمانه بمغفرة يسوع لفعلته.

الفرح في الضيق: هل نعرف أنّ الملكوت لا يُشرى بل يُغتَصب، رغم أن الله لا يَغْصِب أحدًا على دخوله؟! فكيف ذلك إذًا، والإنسان ضعيف؟!
في اختيار يسوع لتلاميذه هناك تجلٍّ لعملِ الله. لقد اختار أناسًا عادييّن، بُسطاء. لقد اختارهم ليس لما كانو عليه، بل لما سيصبحون عليه من قوّة وقدرة، بنعمته وقدرته. وهذاما يجعلنا نفرح، لأنّ يسوع قال:” لم أدعُ الأبرار بل الخطأة”. فعندما يدعونا الله كي نخدم، وهو العارف بخطيئتنا، فلنفرح ولنلبّي الدّعوة، دون التظاهر بالتواضع مُدَمْدمين”ليس لديّ ما أقدّمه له”. إنّه جابلنا، وفاحص كِلانا، لذلك يقبل ما لدينا مهما كان صغيرًا، من أجل بناء الملكوت.

صلاة: يا أبي، أعطني أن أعترف، بصدقٍ وشفافية، بضعفي، كي لا أقع فريسة التباهي والتفاخر بأعملي وما تأتي به من ثمار. جنّبني خطر تأليه الّذات وعبادة عطاياك. ها إنّي أضع ذاتي وكلّ ما لدي، على صغره، بين يديك، كي تجعله آية ً قدسية، من أجلِ تمجيد اسمك القدّوس، آمين.

جاكي جوزيف ضوميط