رعيّة رشدبّين

تأمل في إنجيل أحد آية شفاء المنزوفة 2018

أحد آية شفاء المنزوفة
نقف في هذا الأحد مذهولين أمام لوحتين رَسَمَتهُما يدُ القلب الكامل؛ لوحة شفاء ولوحة إحياء. ها إنّ قلوبنا تتأرجح مع نسمة نُفِخَت في روح كل من المنزوفة وابنة يائيروس. فالأولى كانت ترقد على رجاء قيامة لم تُختبر بعد، والثانية حية لكنها كانت منساقة نحو موت حتمي تبحث عن شاف لها.
الأولى في ربيع العمر وفورة الأنوثةِ وبدءِ النّضجِ، تموت قبل أن تتفتّح فيها المرأة، في سنّ الثانية عشرة. إبنةٌ وحيدة، إبنة أبيها، القائدِ القويّ الذّي عُرِف بِتَعَلّقِه بوحيدته حتّى الثمالة، إبنة ماتت ولم يستطع أن يرُدَّ عنها سوء المَصير. والثانية إمرأة ليست بامرأة، باتت تخجل وتتألّم بصمتٍ وما من أحدٍ يدري بنزاعها اليوميّ… لقد سُلِبَت حقّها الطبيعيّ في أن تحيا وتعطي الحياة، فغرقت في الإحباط وأقْصَت نفسها عن المجتمعِ لئلاّ يُكْتشَفَ أمرها، وتدور الكلمات “تزعق” في الحناجر أغنية الموت البطيء دون رحمة: “أنظروا المدنّسة، اْنبذوها، لا تَمَسّوها…” وراحت تفقد، كلّ يوم، نسمةً من حياةٍ، مع كلّ ورقة متساقطة من وردتها الحمراء الذّابلة انتهت… لقد أضحت جسدًا بلا حياة.
فتاتانِ توقّفت فيهما حياة المرأة :الأولى بسبب مرضها والثانية بسبب الموت.
ويمرّ يسوع في المكان… ويَقْوى نداء الحياة على الإستسلام إلى الموت والتخلّي عن الحقّ فيها.
بلمسة مؤمنة راكعة تقدمت فى الخفاء بنفس منكسرة وانسحاق لتتلامس مع الرب، كسرت قيود أصوات خنقتها بحكمها عليها، تناسَت أحكام مجتمعها وركضت نحو الشافي. لم تحمل مالاً أو ثياب. لا جمالاً ولا جسمًا سالمًا ولا مقتنيات وأملاك. إكتفت بحبة إيمان وبها حرّكت جبال الحب والشفاء. إيمانها المطلق بقدرة يسوع، وهبها الخلاص، وأعادها صحيحة إلى مجتمعٍ سقيم الفكر، متزمّت الحكم على ذوي بعض الأمراض.
ضعيفة أتت من خلفٍ ولمسته. كانت، لا بل كان مغلوبًا على أمرها. لكنّها آمنت، فشُفِيَت، تقوَّت بالذي انتشلها من عارِها، مُعيدًا إليها كلّ ما فقدته، فجاهرت فرحة بشفائها، معترفة بِعِلَّتِها، شاكرة، بأعلى صوتها، الّذي أخرسه الألم والإحباط طوال اثنتيّ عشرة عامًا، شاهدةً على قدرة يسوع، دون إيعازٍ من أحد بل لأنها أحسَّت ذلك في قلبها وأدركته بإيمانها الواعي. وبإيمان يائيروس الذي عاش بعد سماع صدى صرخة المنزوفة الساكتة، أعاد يسوع ابنته إلى الحياة كي تنطلق حرّة ناضجة مُطلَقَة القيود في عواطفها الأنثويّة بعد أن كانت تتمايل في ثوب الموت دون حياة.
هـبنا يا يسوع اليوم، أن نرتمي على قدميك، كما فعل كل من المنزوفة و يائيروس، نكسر قيود شريعة الحرف، الشريعة المميتة، و نركض بلهف نحو الحياة، نحو المخلص، وعندما تسأل :”من لمسني”
نتراقص مع نغمات القلب فرحًا ويقول كل منا: “أنا هو ذلك الذي كان مائت النفس وعاش. أنا هو ذلك الذي كان فاقد القيمة والمكانة بين الأهل والناس. أنا هو الباكي بصمت، الغارق بالآهات والمخنوق في حنجرة الحياة. أنا هو ! وليس سواي! وها أنا اليوم أجثو أمامك، وواثق كل الثقة أنك أنت هو المخلص الوحيد القادر أن يشفيني، فخلصني من الدنس الذي أكل روحي منذ الأزل، واملأ قلبي من فيض محبتك ليسكر فرحا”.
وهكذا، كابنة يائيروس، نقوم من موتنا الروحي، وكالمنزوفة نشفى من الخطيئة المميتة
ومن أبناء الخطيئة، أبناء الموت، نضحي أبناء البر، أبناء الحياة، آمين.
جاكي جوزيف ضوميط