رعيّة رشدبّين

يغادر

يغادر هذا العالم كما يغادر الجنديّ بيته ويمضي إلى حضن أمه الدافئ
يترك خلفه سنابل قمح شقّت العتمة وانحنت تعبًا من عبئ أرضيات أتعبتها
عرف أنّ موعد الرحيل أقرب مما يتخيله الجميع
وفرص الحصاد باتت قليلة
وأنّ الطريق ينتظره لتقوده إلى حيث أنت يا يسوع
يغادر قبل أن يغدر به هذا العالم الفاني
وقبل أن يغدو عاجز عن التفلّت من مستنقع الشهوات والمصالح
يرحل كما ترحل طيور تقودها لهفة اللقاء بخالقها
يرحل أكيدًا أن أجنحته لن تخونه فهو خلق ليكون نسرًا محلِّقًا في أعالي السماء
يترك خلفه تراب فاني لا يدوم
شهوات وخطايا مميتة
أملاكًا وسعادة لا طعم لها
يبتعد كي يخلو المكان من قلق لم يتركني مذ بدأ العالم يبتعد عن معنى السعادة الحقيقية، يتمسك بسعادة عابرة
عابرة كما تعبر النيازك التي تولّد الأمنيات وتنطفئ
تحمل روحه الأمل وتمشي بلا أثر أو خيال
يغيب في نور يعيد تكوينه ليولد من جديد.في حقيبة الأمل وضع قلبه الجديد
هناك إلى جانب الحبّ الإلهي
والنعم الفائضة
والسعادة الأبدية
جعلت لخطاه الجديدة مكانًا آمنًا
فلا يخسر نفسه في رحلة الحياة الجديدة
ولا يضيّعها حين تبحث عن سبب الخلاص الحقيقي
الذي سيجعله أكثر حكمة وأكثر سكينة

يغادر هذا العالم الفاني
والملائكة تستدعي بصوتها الشجيّ الطبيعة مهللة فرحًا
فتفرح السماء بعودة ابنها الضال
ذاك الإبن الذي ارتفعت أعينه نحو الخلاص و قلبه فرح لا يلتفت إلى الوراء
تخلّى عن كل ما هو أرضي وأشبع قلبه بحب إله يفوق حبه العقل والخيال
أفلت حبال الأرضيات والسعادات العابرة الزائلة وغمر نفسه بخلاص وسعادة لا تزول
تخلى عن دعسات معركة أرضية لا نجاة منها،
عن دروب نما الشيب على مفارقها
عن أرض تجعّدت بشرتها
فعرف الجندي أنّ في انتظاره انتصارات جديدة في أرض أجمل من ساحة المعركة هذه

كل ذلك حين سمع الجندي همسك في أذنيه يا إلهي وأنت تدعوه ليستريح
ليعتزل القتال في عالم يحتفي بالفناء
وليهلّل لأبطال السماء وليس أبطال الأرض
تدعوه ليرمِ قضيّته الأرضية في الوحل ويمض نظيفًا خفيفًا حرًّا
تحثّ الجنديّ ليسرع لأن ما في انتظاره أجمل بكثير من معارك أذرفت دمه وقضت على روحه
تذكره أنّ الأبطال الحقيقيّين هم الذين غرقوا في حبّك
فليكن غرق
ولتكن قيامة
لأن خلاص أتى

يحمله حبك ويمضي به خارج إطار الأرضيات
ليصير صورة عنك فأنت وحدك الخلاص والفرح والحب والسلام وبك وحدك يتسلح كلّ منا ليحارب إغراءات هذا العالم وشهواته
بك وحدك يا يسوع ننتصر.

جاكي جوزيف ضوميط