رعيّة رشدبّين

Month: September 2018

يغادر

يغادر هذا العالم كما يغادر الجنديّ بيته ويمضي إلى حضن أمه الدافئ
يترك خلفه سنابل قمح شقّت العتمة وانحنت تعبًا من عبئ أرضيات أتعبتها
عرف أنّ موعد الرحيل أقرب مما يتخيله الجميع
وفرص الحصاد باتت قليلة
وأنّ الطريق ينتظره لتقوده إلى حيث أنت يا يسوع
يغادر قبل أن يغدر به هذا العالم الفاني
وقبل أن يغدو عاجز عن التفلّت من مستنقع الشهوات والمصالح
يرحل كما ترحل طيور تقودها لهفة اللقاء بخالقها
يرحل أكيدًا أن أجنحته لن تخونه فهو خلق ليكون نسرًا محلِّقًا في أعالي السماء
يترك خلفه تراب فاني لا يدوم
شهوات وخطايا مميتة
أملاكًا وسعادة لا طعم لها
يبتعد كي يخلو المكان من قلق لم يتركني مذ بدأ العالم يبتعد عن معنى السعادة الحقيقية، يتمسك بسعادة عابرة
عابرة كما تعبر النيازك التي تولّد الأمنيات وتنطفئ
تحمل روحه الأمل وتمشي بلا أثر أو خيال
يغيب في نور يعيد تكوينه ليولد من جديد.في حقيبة الأمل وضع قلبه الجديد
هناك إلى جانب الحبّ الإلهي
والنعم الفائضة
والسعادة الأبدية
جعلت لخطاه الجديدة مكانًا آمنًا
فلا يخسر نفسه في رحلة الحياة الجديدة
ولا يضيّعها حين تبحث عن سبب الخلاص الحقيقي
الذي سيجعله أكثر حكمة وأكثر سكينة

يغادر هذا العالم الفاني
والملائكة تستدعي بصوتها الشجيّ الطبيعة مهللة فرحًا
فتفرح السماء بعودة ابنها الضال
ذاك الإبن الذي ارتفعت أعينه نحو الخلاص و قلبه فرح لا يلتفت إلى الوراء
تخلّى عن كل ما هو أرضي وأشبع قلبه بحب إله يفوق حبه العقل والخيال
أفلت حبال الأرضيات والسعادات العابرة الزائلة وغمر نفسه بخلاص وسعادة لا تزول
تخلى عن دعسات معركة أرضية لا نجاة منها،
عن دروب نما الشيب على مفارقها
عن أرض تجعّدت بشرتها
فعرف الجندي أنّ في انتظاره انتصارات جديدة في أرض أجمل من ساحة المعركة هذه

كل ذلك حين سمع الجندي همسك في أذنيه يا إلهي وأنت تدعوه ليستريح
ليعتزل القتال في عالم يحتفي بالفناء
وليهلّل لأبطال السماء وليس أبطال الأرض
تدعوه ليرمِ قضيّته الأرضية في الوحل ويمض نظيفًا خفيفًا حرًّا
تحثّ الجنديّ ليسرع لأن ما في انتظاره أجمل بكثير من معارك أذرفت دمه وقضت على روحه
تذكره أنّ الأبطال الحقيقيّين هم الذين غرقوا في حبّك
فليكن غرق
ولتكن قيامة
لأن خلاص أتى

يحمله حبك ويمضي به خارج إطار الأرضيات
ليصير صورة عنك فأنت وحدك الخلاص والفرح والحب والسلام وبك وحدك يتسلح كلّ منا ليحارب إغراءات هذا العالم وشهواته
بك وحدك يا يسوع ننتصر.

جاكي جوزيف ضوميط

المرحوم شربل مخايل الخوري

الجمعة ٢١ أيلول 2018
إنتقل إلى الملكوت السماوي شربل مخايل الخوري يوم الجمعة ٢١ أيلول ٢٠١٨. وفي اليوم التالي، أُقيمت الصلاة لراحة نفسه عند الساعة الرابعة والنصف من بعد الظهر في كنيسة القديسَين سركيس وباخوس الرعائية في رشدبين، ودُفن في مدفن الرعية العمومي.

عيد إرتفاع الصليب المقدس

في البدء، كانَ الناس يأْتونَ بذكرِ الصليبِ ، فيظهر بينَ سُطُورِ أعينِهِم معجمَ الحزنِ، وكأنَّ تلكَ الأخيرة تنوهُ عليه وَتصبحُ على حافةِ ذرف الدموع على العذاباتِ التي شهدَها.
فالعواصفُ الانسانيّةُ كانَت ترى الصليبَ فتبكِيه وترثِيه وتندبه.
منذُ بداية الأجيالِ وَالبشر يخافونَ الضعفَ بالصليب.
منذ بداية الأجيالِ والصليبُ هو الهمُّ والوجعُ والألمُ على أكتفِ البشر.
منذ بداية الأجيالِ والبشرية تخافُ من ألمِ الصليب.
منذ بداية الأجيالِ والصليب مأوى الخطأة يذرفونَ عليه دموعَ أنفسِهِم الأخيرة قبل أن يَسلُب البشرُ منهُم حياتَهم.
ذلكَ حتى جاءَ من يَقلُب موازين العالمِ كله ويعطي لحياتِنا معنى جديد.
ذلك حتى جاءَ المخلِّص وافتدانا بصلبِه على خشبةِ عود العار.
إذا كانت كلمةُ الصليبِ عند الهالكينَ جهالةً وعثرة فإنّ الإيمانَ بالصليبِ والمصلوبِ عليهِ هو وسيلةُ الخلاصِ وهو يُعلِن قوةَ المسيحِ المصلوبِ ورحمتَهُ ومحبتَه وفداءه.
لَمْ يَعُدْ صليبُك يا مسيحي، ضعفًا.
جَعلْتَ الصليبَ قوةً ولكننا هل نفهم حقيقةً معنى القوة الحقيقية؟
لم يَعُد صليبُك طائرًا مكسورَ الجناحينِ
بل عاصفةً هوجاء تكسر بهبوبِها جميعَ الاجنحةِ المعوجّة.
هو لمْ يجيء من وراءِ الشفقِ ليجعلَ الالمَ رمزًا للحياة.
بل جاء ليجعلَ الحياةَ رمزًا للحق والحرية.
هوَ ليس مكانًا ساكنًا عُلِّقْتَ عليهِ فى أحدِ الأيام . بل هو قاعدة حركةِ قلبِ الرب نحو البشرية كلها.
كان فى مظهرِه الخارجى تعبيرًا عن ظلمِ العالم ، أما من الداخل فكله سرورٌ وحبٌ وتسليمٌ للآب لأجل خلاص العالم.
هو المنارةُ التى أُوقِدَتْ عليها نورَ العالم ،الذى من قِبَله صرنا نورًا للعالم .
فكم وكم كثُرت معاني صليبِك إلهي، لكن أهمّها واحد.
إن الصليبَ أقوى درجاتِ الحبِ وأعمقَها .
هو تجسدُ حبّك اللامتناهي الكامل
فعلى خشبتَي هذا العودِ، مملوء بالدم والدموع، أظهرْتَ حبَّكَ للبشرية
صُلِبت لتقول لأبنائك: أنا أحبكم
لم تُصلَب لنرى بصلبِك الحزنَ والرثاء
صُلِبت لتعطِي لسعادتِنا حياة، لحياتِنا معنى، لقلبِنا حب، لروحِنا خلاص
أَنظُرُ إليكَ ربِّي مُمَدَّدًا على الصليبِ، فاتحًا يدَيْكَ لتَنْتَشِل منّي حزنَ هذا العالم الفاني وأوجاعَه. تَنظُر إليّ بِعيناك المَلِيئَتَيْن حب لأغرَق في بحرهِما وأجدَ فيهِما آخرَ زورقِ خلاص.
فكَمْ سأرتاح عندَما يَتَرَبَّع صليبُك على كَتِفَيَّ يا مسيحي، فهو سعادَتي وخلاصي. به أتَمَسَّك للهروبِ من مستنقعِ أوجاعِ العالم.
صليبُك يا إلهي هو حب. فارفعي يا بشريةَ الصليبَ عاليًا، وهلَّلِي المجدَ للآبِ والإبنِ والروحِ القدس، لأنّ الصليبَ قتلَ الموتَ، و بهِ، ستقتُلين الشرَّ وتنشُرين الخيرَ، به ستُخَلَّصْ نفسَك، بصليبِ مسيحِك افتخري!
جاكي جوزيف ضوميط

!لنَكُن القريب

كم حاولت أن أفهم سبب قساوة قلب الإنسان تجاه الآخر، لكنّ الجواب كان دائمًا يصطدم بالـ “أنا” الّتي لا تملّ من التبرير بأنها وحدها تُكوِّن عالم المرء، وأنّه لا قِيَم خارج الذّات، مهما كانت كبيرة وتوحي بالكفاية، يمكنها أن تُحتَسب أو تُقاس إلاّ بقدر ما تتلاءم مع عالمي الخاص، مع مملكتي، حيث أنا السيّد، سيّد نفسي، والّذي يشكّل قيمتي هي ذاتي وحدها والّتي هي مُلكي.

من هنا بدأت أتلمّس طريقة تفكير هؤلاء الناس الّذين لا يكترثون للرحمة ولا للحبّ المجّاني نحو الآخر، إذ بحسب إعتقادهم أنّ ذلك ضربٌ من الجنون وفيه الكثير من المخاطرة وكأنّ ذلك الفعل هو قفزة في المجهول تدفعك إلى التخلّي عن ذاتك، عن الأنا، من أجلِ فعلِ رحمة وحبٍّ للآخر لا يجلبان إلاّ الإنقاص من “الكرامة” ولا يسبّبان سوى هدر للوقت والتلهّي عن الأهمّ.

في قصّة السامري الصالح، نرى أنّه كان هناك جريحًا مضرجًا بالدماء معرّى من ثيابه، مرميًّا على حافّة الطريق. يمرّ به كاهنًا ثم لاويًّا – ومن الطبيعي أن يكونا متخصّصان في الليتورجيا وطاعة كلّ ما تطلبه الشريعة – لكنّهما لم يكترثا لأمره، بل حادا عنه ولم يرمش لهما جفن. هما يعرفان تمامًا أنّه بمجرّد لمسه سوف يتدنّسان (بحسب الشريعة)، فلم ينظرا إليه كإنسان فيه من روح الله الّذي يعبدانه، وتناسيا أنّ الوصيّة الثانية من وصايا الله هي “أحبب قريبك حبّك لنفسك”، فلم يحفظا منها سوى “أحبب نفسك” وأغمضا أعينهما عن “القريب” وأكملا طريقهما لا لخدمة الله الحقيقيّة بل لإرضاء الأنا والكبرياء فيهما، فطهارتهما كانت لهما أهمّ بكثير من روح الإنسان المتألّم، المجروح، المحتاج لمن يقف بجانبه…

أمّا السامريّ فتوقّف وإعتنى بجراحات هذا الرجل.

لم يجلس للتفكير في مساعدته، ولم يتردّد في النزول إليه ليضمّد ويبلسم، ليغمره بالحبّ ويعوّض عليه فجور اللصوص وقساوة قلب من يحسبون أنفسهم أنقياء. لماذا فعل ذلك؟ ربّما ليس لديه الجواب إن سألت. لكن بالنسبة إليه هذا أمر طبيعيّ لم تعلّمه إيّاه الشريعة لأنّه ليس بيهوديّ، بل كان ما فعله ثمرة الحقيقة الطيّبة المحفورة في قلبه وقلب كلّ إنسان منذ تكوّن، حقيقة أن يكون هو القريب لكلّ من يلتقيه ويقبل به، فكان ذاته كما أراده الله أن يكون.

أليس هذا هو الحبّ الحقيقي؟ أليس هذا هو الإيمان بالكلمة المحيية بالفعل وبالقول؟ ألا نرى في هذا الرجل المجروح كلّ إنسان وكلّ الإنسان لا بل الإنسانيّة جمعاء، بكلّ ما فيها من جراح ونقائص؟

والسامريّ! أليس هو يسوع الّذي جعل ذاته “القريب” الّذي يحبّ ويشفي ويعتني؟ أليس هو من يضع ثقته في الآخر كي يكمل ما قد بدأه: يؤمّنه على أخيه الإنسان الضعيف… ويطلب منه أن يفعل ويكون “القريب”، على مثاله؟

فإن كنّا نؤمن بأنّنا أبناء لله- المحبّة، المخلوقين على صورته ومثاله، وإن كنّا نؤمن بأنّنا سرّه الأجمل والأقرباء الوارثين، فلنثق بأنّ ليس هناك من مكانٍ أروع من الإنسان (“القريب”) يتفجّر فيه حبّنا المنطلق من قلب الله نحو قلب الإنسان في حركة تناغمٍ تتخطّى الأنا، قلّما نفهمها إن لم ندخل فيها بعمق.

ربي وإلهي … رقصَ قلبي اليوم فَرَحًا حين علمتُ أن مواهب روحك القدّوس هي ليست فقط لباسٌ أرتديه لأُحارب به إبليس وأعوانه ولكنها قَبْلَ ذلك هي وسيلة عيش “المحبة”، هي ثوب البر الّذي يجعلُ مَن يراني يُميّزني بأنني أنتمي لك فأنت “محبة”. فروح المعرفة تُعلِّمني المغفرة والرحمة تجاه الآخرين، وروح الحكمة تُعلِّمني التواضع والإقرار بخطيئتي نحوك ونحو الآخرين، وروح المشورة الصالحة تُعلِّمني تعزية الحزانى ومحبة القريب، وروح المثابرة والجَلَد تُعلِّمني الشوق لكَ والعطش للبِر، وروح الفهم وروح التقوى تعلِّماني الوداعة والثقة بكَ وتسليم الذات لكَ، أما روح مخافة الله فتُعلِّمني أن أحبك فوق كل شيء وأعمل مشيئتك بنشر المحبة والسلام. أجل، إن الروح القدس الّذي وَهبته لنا لتفيض محبتك في قلوبنا يجعلنا جسدًا واحدًا بروحٍ واحدة: روح إبنك الحبيب، روح “محبة”.

ربي وإلهي … أشكرك مِن كل قلبي على كل نعمك التي أعطيتنا إيّاها مجانًا، وعلى رحمتك التي بها تتحنّن علينا وتستجيب لطلباتنا، أشكرك لأنك إله محبة ولم تتردد في أن تُرسل لنا كنزك الثمين لتملأ قلوبنا من ذاتك… يا رب، أود أن تتحنن علينا الآن وتستجيب لنا بحسب مشيئتك، فلقد مرَرْتُ بشوارع العالم ورأيت الكثيرين على الطرقات، هم أموات لا أعلم أم قد أدمتهم جراحات الخطيئة لا أعلم، ولكني أود أن أُخبرهم عنك وأُعطيهم مما أعطيتني إياه وأجلبهم لكَ لتعيد لهم الحياة وتضمّد بيدك جراحاتهم فتسكب عليهم من روحك القدّوس فيُخلقوا من جديد… يا رب، يا مَن سترت عيوبي إستجب لي وأنا سأشكرك على الدوام وأُسبح أسمك القدّوس وأُخبّر بما فعلته لي وبمحبتك لي بأعمالٍ تُرضي إرادتك المجيدة، آمين.

جاكي جوزيف ضوميط

المرحومة سلطانه عباس لولش زوجة حنا دوميط شليطا

الإثنين ٣ أيلول 2018
إنتقلت إلى الملكوت السماوي سلطانه عباس لولش زوجة حنا دوميط شليطا صباح يوم الإثنين ٣ أيلول ٢٠١٨. أُقيمت الصلاة لراحة نفسها عند الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم الثلاثاء ٤ أيلول ٢٠١٨ في كنيسة القديسَين سركيس وباخوس الرعائية في رشدبين، ودُفنت في مدفن الرعيّة العمومي.